على هامش الذاكرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

على هامش الذاكرة

مُساهمة من طرف خالد نجاح في الأربعاء 22 سبتمبر - 15:25

كانت مجرد حادث بسيط، لم أجد له في ذاكرتي سوى هامش ضيق على إحدى الصفحات المليئة بالأحداث الكبرى، بدت هي أمامها شيئا تافها ملقى على حافة الطريق العام، كلما قلبت أوراق ذاكرتي بحثا عن شيء ما أجدها تتمسك باستماتة غريبة بذلك الهامش وتتدافع مع اشد الأحداث استنزافا للذاكرة لتبقى حية فيها، لم أول اهتماما كبيرا لتشبثها العنيد بذاكرتي المزدحمة بصنوف الأحداث، السياسية والثقافية والاجتماعية وغيرها، و التي تزداد اتساعا مع تراكم الصفحات المليئة بالتفاصيل حتى المملة و التافهة منها، في إحدى عواصف الأحداث المتلاحقة تراكمت التفاصيل في تلك الصفحة، وامتدت حتى الهامش دافعة إياها نحو حافة النسيان، قاومت كعادتها بشراسة، وتشبثت بأسنانها وأظافرها، لكن سيل التفاصيل الأحمق لم يرحمها، فاستمر في دفعها، انقلعت أظافرها وأسنانها، وهوت نحو العالم المنسي، لتسقط فوق ركام الماضي، الذي غطاه غبار الزمن وحطّمه السقوط المستمر للأحداث الضعيفة، ظلت هناك فاقدة وعيها مطمورة وسط الذكريات المحظورة.
في زيارتي التالية للذاكرة أضأت كل المصابيح، وفتحت الستائر، استفزتني تلك الفوضى العارمة للأحداث المتنوعة، الفريدة والروتينية، وجبال التفاصيل الضخمة التي لا طائل من كثيرها، بحثت بينها عن معلومات مهمة استثمرها في موضوعي الجديد، كنت متأكدا أنني سأعثر على بعضها، لكنني لم أجد شيئا، انتبهت حينها أن هناك خللا ما، أعدت تنظيم كل شيء في مكانه وقمت بترتيب الصفحات، بينما كنت أضع آخر ورقة، ألقيت نظرة إلى الهامش، لم أجدها هناك، أعدت تقليب الصفحات الأخرى، علني أخطأت أو غفلت عنها، لم أجد لها أي اثر في أي هامش، تفحصت المكان جيدا، في ذلك الهامش بالذات ثمة ثغرة كبيرة تنفد منها الأشياء نحو العالم المنسي، عالجت الأمر في الحال، فبنيت سياجا صلبا حول الثقب الكبير ليحول دون أي تسرب أو فرار من الذاكرة، ثم عدت لممارسة الحياة من جديد دون أن انزعج لغيابها عن ذاكرتي، لكن المصباح الذي كان معلقا فوق ذك الهامش ظل يومض طوال الوقت رغم محاولاتي اليائسة لإصلاحه أو تبديله.
في تلك الأثناء، كانت قد نجحت في الإفلات من تحت الأنقاض، وبدأت تتسلق حبال الزمن نحو الحاضر، تقاوم رياح النسيان العاتية، وتقاتل أشباح الماضي التي كانت تجرها نحو الأسفل، رفضت الاستسلام لكونها مجرد ذكرى منسية في نفق التاريخ المعتم، صمدت أمام التاريخ نفسه بكل أسلحته، تحدته، فهزمته، لتصل إلى السياج الفاصل، تسلقته بمشقة رغم ارتفاعه، أصبحت على مشارف الذاكرة، أطلقت عبارة غريبة ظلت تتردد في كل الأرجاء:" الآن حان وقت الأرق " ثم ألقت بكل تقلها عند آخر نقطة حبر، أحسست بجسدها المثخن بالجراح وهو يرتطم بذاكرتي بعنف، محدثا دويا هائلا ظننت أن العالم كله قد سمعه، فزعت من نومي، تناولت سلاحي وتسللت إلى الذاكرة، أضأت كل المصابيح من جديد، صوبت نحو مصدر الصوت، لمحت جسدها يحتل صفحتي الوسط، وقد غطى ظلها كل ما قبلها، ودماءها سالت على ما بعدها...
avatar
خالد نجاح
عضو جديد
عضو جديد

المدينة : قلعة مكونة
العمر : 33
المهنة : تقني
ذكر
عدد المساهمات : 18
نقاط : 30
تاريخ التسجيل : 06/08/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: على هامش الذاكرة

مُساهمة من طرف nawal في السبت 25 سبتمبر - 17:26

من الأحدات ما لا يمكن محوه ببساطة بل منها ما يضل ما دامت الحياة لكن لأول مرة أرى ذاكرة أو ذكرى بهذه الطريقة لا أعلم هل لي حق السؤال عماهيتها أم أن القصة من نسج الخيال
على كل حال فقد أبدعت بمعنى الكلمة ولا أضنني أهلا لمناقشة أسلوبك سوى أن أقول أنك مبدع
avatar
nawal
عضو فعال
عضو فعال

المدينة : warzazat
العمر : 31
المهنة : étudiante
انثى
عدد المساهمات : 139
نقاط : 172
تاريخ التسجيل : 20/08/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: على هامش الذاكرة

مُساهمة من طرف aboujamil في الأحد 26 سبتمبر - 16:50

تحية تقدير واحترام للأخ خالد نجاح، قد كتبتَ فأجدت، و قصصتَ فأبدعت ، وأملي أن أقرأ لك في المستقبل كتابا جامعا لكل هذه القصص القصيرة.

فأطلق لمواهبك العنان و أتحفنا بالمزيد من الأعمال.

تحياتي ودمت دائما متألقا.
avatar
aboujamil
عضو مجتهد
عضو مجتهد

المدينة : ouarzazat
العمر : 37
المهنة : ...............
ذكر
عدد المساهمات : 64
نقاط : 111
تاريخ التسجيل : 22/02/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى