الصلــــــــــــــح الزجـــــــــــري

اذهب الى الأسفل

الصلــــــــــــــح الزجـــــــــــري

مُساهمة من طرف bribich abdelaaziz في الجمعة 12 نوفمبر - 15:40




وزارة العدل

مديرية الدراسات والتعاون والتحديث


******
قسم الدراسات والتشريع

الصلــــــــــــــحالزجـــــــــــري

دراسةللمادة 41 من قانون المسطرة الجنائية الجديد


مقدمة :


إن من دواعيالاطمئنان للعدالة الجنائية والثقة في نجاعتها حسب المنظور المعاصر والحديث اعتمادقنوات جديدة[1] لحل النزاعات خارجالإطار الكلاسيكي ( مرحلة ما قبلالمحاكمة – المحاكمة – تنفيذ العقوبة ) من خلال اعتماد أسلوب التسوية الودية عبرإجراء مصالحة بين أطراف الخصومة المباشرين، وهي وسيلة تؤدي إلى سد باب الشقاق بصفةنهائية من خلال جبر الضرر وبتر روح القصاص من نفسية الضحية. وقد حصر المشرع هذاالإجراء في جرائم بسيطة [2]مع تقيد هذا التدبيربموافقة الأطراف بمحضر رسمي قبل المصادقة عليه من طرف رئيس المحكمة أو من ينوب عنه.
وسوف نحاولمن خلال هذه الدراسة تناول إجراء الصلح كمستجد بقانون المسطرة الجنائية. مع الوقوفعند ماهيته ومسطرته من خلال المنهج الآتي :

المبحث الأول : ماهية الصلح
المبحث الثاني : مضمون الصلح



المبحث الأول : ماهية الصلح
نتناول فيهذا الفصل دراسة مفهوم الصلح كما حددته المادة 41 ق.م.ج. وتحديد المرجعيةالقانونية لهذا الإجراء، والغاية من استحداثه ومسطرة إنجازه مع إبداء بعضالملاحظات على ضوء ما عرفته بعض التجارب القانونية والقضائية المقارنة كلما اقتضتضرورة البحث ذلك .
أولا : مفهوم الصلح :
يعتبر مبدأ الصلح أو المصالحة من التقاليد النافذة في التراث الدينيوالثقافي المغربي،[3]حيث كان رب القبيلةأو رب الأسرة يلعب دور الوسيط في حل النزاعات العائلية والمالية والفلاحية التيتنشأ بين أفراد الأسرة أو القبيلة .
وأسوة بالعديد من التشريعات المقارنة عمد المشرع المغربي في قانون المسطرةالجنائية الجديد إلى تبني مبدأ الصلح بالمادة 41 من ق.م.ج [4]كآليةحديثة وحضارية لاستبدال العقوبة السالبة للحرية ولفض النزاع قبل تحريك الدعوىالعمومية، وتكمن إيجابيات هذه المسطرة في النقط الآتية :1- تخفيف العبء على المحاكم وربح الوقت


2- جعل القضاء يركز مجهوده على القضايا الأساسية
3- محاربة البطء في البت في القضايا خاصة منها ما يرتبطبحرية الأفراد
4- تطويق النزاعات القائمة بخصوص بعض الجرائم المحدودة
5- تخفيف الاكتظاظ الذي تعاني منه السجون
6- تحقيق نوع من التوازن بين حقوق الإنسان وحقوق المجتمع .
ويكمن موضوع الصلح [5]القضائي في مراجعةأطراف النزاع بمحض إرادتهم أو باقتراح منالنيابة العامة وكيل الملك أو نائبه لفض النزاع بشكل حبي مع توثيق الصلح بمحضررسمي، وما من شك في أن هذا الإجراء يوطد العلاقات الإنسانية بدل إقامة الدعوىالعمومية التي قد تنتهي بإدانة أحد الأطراف مما يكرس البغضاء والحقد في النفوسوعدم رضى المحكوم عليه بالعقوبة .
ثانيا : المرجعية القانونية لمسطرةالصلح
سبقت العديد منالتشريعات المقارنة المشرع المغربي في الأخذ بمسطرة الصلح من ذلك التشريع البلجيكيوالأمريكي والمصري والفرنسي، وهكذا عمد المشرع المصري، بمقتضى التعديل الذي أدخلعلى قانون الإجراءات الجزائية لسنة 1998، إلى اعتماد مسطرة الصلح في الجنحوالمخالفات المعاقب عليها بالغرامة فقط؛ أما القانون الفرنسي فقد أخذ بمسطرة الصلحبموجب القانون رقم 515–99 الصادر في 23 يونيو 1999 في المادة 41 من ق.م.ج.حيث وردفي الفقرة 5 من المادة السالفة الذكر ما يلي :
« s’illui apparaît qu’une telle mesure est susceptible d’assurer la réparation dudommage causé à la victime, de mettre fin au trouble résultant de l’infractionou de contribuer au reclassement de l’auteur des faits, le procureur de leRépublique peut, préalablement à sa décision sur l’action publique, directementou par délégation :
5°- Faire procéder, avec l’accorddes parties, à une mission de médiation entre l’auteur des faits et lavictime… » [6]
ويمكن القول إن المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية المغربي خرجت من رحمالمادة 41 من قانون المسطرة الجنائية الفرنسية لا من حيث الطابع الاختياري لمسطرةالصلح وسلطة النيابة العامة بشأنها أو مصادقة المحكمة في النهاية على مقرر الصلح،باستثناء ما نص عليه المشرع الفرنسي من منح طرف أجنبي مباشرة مسطرة الصلح وهو مالم تأخذ به المادة 41 موضوع الدراسة .
وعموما فمسطرةالصلح هي من وحي إحدى الآليات البديلة لفض النزاعات والتي ما فتئت تأخذ لها مكانةمتميزة في فض النزاعات ويتعلق الأمر بالوساطة، إذ بدأت تترسخ نظرة عالمية جديدةتتمثل في إيجاد ميكانيزمات بديلة - خارج الإطار التقليدي للقضاء والمحاماة - تساهمفي حل النزاعات والتخفيف على المحاكم، وقد أعطت نتيجة إيجابية في عدد من بلدانالعالم سيما أن المؤتمر العاشر لهيئة الأمم المتحدة المنعقد بفيينا سنة 2000 ناشد الدول لإيجاد آليات للعدالة التصالحية بينالأطراف، كما أن التشريعات المقارنة، المشار إلى بعضها أعلاه، كرست في قوانينهاهذه المسطرة؛ فمن الدول من أسند هذه الصلاحية للنيابة العامة، ومنها من أسندهاللقضاء، ومنها من أسندها إلى أشخاص محايدين يتم تعيينهم وفق مسطرة خاصة .
ثالثا : الصلح فيالتشريع المغربي
إن المقتضيات القانونية التي توجب أو تجيز اعتماد مسطرة الصلح كثيرة، سواءتعلق الأمر بقوانين الشكل أو بقوانين الموضوع بدءا بالقوانين الجنائيــــةوالمدنية وانتهاء بالقوانين المنظمة لبعضالمهن الحرة .7
1- الصلح في القوانين الجنائية :إذا كانت القوانين الجنائية كلها من النظام العام و لا يملك الأطراف صلاحية تحديدنطاقها للاضطراب الاجتماعي الذي قد تخلقه، فإن المشرع في جرائم معينة و نظراللطابع الاجتماعي و الأسري الذي يهيمن عليها سمح للأطراف بإبرام مصالحة بشأنهايترتب عنها وضع حد للمتابعة، و من أهم هذه الجرائم الواردة في القانون الجنائيقضايا إهمال الأسرة ( الفصل 481 من ق.ج )،الخيانة الزوجية ( الفصل 491 من ق.ج ) والسرقة بين الأقارب ( الفصل 535 من ق.ج )فهذه الجرائم لا تحرك المتابعة بشأنها إلا بناء على شكوى من المجنــي عليه و يؤديالتنازل عن الشكاية إلى انقضاء المتابعة وسقوط الدعوى العمومية .
إلى جانب القانون الجنائي هناكقوانين جنائية خاصة تنص على إمكانية إبرام الصلح بين الطرف المتضرر من الفعل وبينالجاني الذي يتابع من أجل ما اقترفه . فالمشرع في هذه القوانين اعتبر أن الأمريتعلق بخر وقات للقانون سببت أضرارا مادية ومالية للمشتكي ولذلك منح لهذا الأخيرحق إبرام المصالحة بشأنها، كما هو الحال بالنسبة للمخالفات الجمركية واحتكار التبغومخالفة قانون السير والقانون المنظم للصيد البحري . 2- الصلح في القوانين المدنية : يعتبرالميدان المدني الأصيل لأعمال الصلح فهناك مقتضيات مدنية توجب اللجوء إلى الصلح،ومقتضيات مدنية أخرى تجيزه فقط .


وهكذايمكن إيجاز المقتضيات المدنية التي توجب الصلح في مقتضى الفصل 212 من ق.م.مالمتعلق بمحاولة التصالح عند تقديم مقال التطليق لدى المحكمة أو عند تقديم مقالالطلاق من طرف الزوج لدى السيد قاضي التوثيق (المادة 48 من م.ح.ش)،
وفيالقضايا الاجتماعية نص الفصل 277 من ق.م.م على وجوب إجراء محاولة التصالح بينالأطراف من قبل القاضي قبل البت في النزاع وفي قضايا الكراء المعد للاستعمالالتجاري والصناعي نص الفصل 27 من ظهير 24 ماي 1955 على إجبارية الصلح، كما نص ظهير2 أكتوبر 1984 المتعلق بالتعويض عن حوادث السير في المادة 18 على ضرورة لجوء شركةالتأمين لمحاولة المصالحة بينها وبين المطالبين بالتعويض .
إلىجانب هذه المقتضيات التي أوجبت مسطرة الصلح هناك مقتضيات قانونية أجازت اللجوء إلىالصلح، منها قانون التحفيظ العقاري ظهير 12 غشت 1913 الذي نص في الفصل 31 منه علىإمكانية دعوة المحافظ لكل من المتعرضين وطالبي التحفيظ لإجراء الصلح وتحرير محضربذلك في حالة نجاحه، وإذا فشل الصلح وجه المحافظ الملف إلى المحكمة. كما نصالقانون رقم 99-06 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة طبقا للمادتين 86 و87 علىإمكانية إبرام مصالحة بخصوص المخالفات الواردة في أحكام الباب السابع من القانونالمذكور.
3- الصلح في المهن الحرة : ( الظهيرالمنظم للحسبة ) نص الفصل 63 من ق.م.م على اعتماد الخبير الذي تنتدبه المحكمةللاستئناس برأيه في نقطة ذات صبغة تقنية على اعتماد الصلح قبل إنجاز المهمةالمسندة إليه ويتعين عليه الإشارة في تقريره المرفوع للمحكمة على إجراء محاولةالصلح أو تعذرها .
وأخيرا نصت المادة 10 من الظهير الشريف رقم 1.01.298 الصادر بتاريخ 9 دجنبر2001 بشأن إحداث ديوان المظالم على قيام هذا الأخير بكل المساعي الحبية للتوفيقبين المتظلمين والإدارة استنادا لقواعد القانون ومبادئ العدل والإنصاف .


المبحث الثاني : مضمون الصلح
تعرضت مسطرة الصلح التي خولها المشرع بمقتضى المادة 41 من ق.م.ج للنيابةالعامة وفي مرحلة لاحقة للمحكمة للمصادقة على مقرر الصلح، للعديد من الانتقادات .وما من شك في أن تجاهل مزايا هذا التدبير لن يثني القائمين على النيابة العامة علىتجاوز كل الصعاب التي قد تعترض تطبيق هذا المقتضى الحضاري والإنساني الجديد والحرصعلى إنجاحه . وسوف نتناول في هذا المبحث العناصر التالية :
1. دور النيابة العامة في الإشراف على مسطرة الصلح
2. دور المحكمة في مسطرة الصلح3. الجرائم المشمولة بالصلح


4. تنفيذ مقرر الصلح .
أولا : دور النيابة في الإشراف على مسطرة الصلح
أكدت المادة 41من قانون المسطرة الجنائية الجديد على الطابع الاختياري وليس الإلزامي للصلح وجعلهمن اختصاص النيابة العامة علما بأن القانون الجديد حافظ لها على اختصاصاتهاالتقليدية في حماية المجتمع وإقامة الدعوى العمومية واستعمال حق الملائمة، كما سمحفقط بالمصالحة في بعض القضايا للحفاظ على علاقات الاستقرار الاجتماعي . ويتوفرقاضي النيابة العامة على سلطة تقديرية في التحري والبحث عند مباشرته لإجراء الصلح،وهو بهذه الصفة لا ينصب نفسه مكان أطراف النزاع بل يقترح ولا يلزم، كما أنه يوضحويفسر ولا يمارس أي ضغط .
وتجب الإشارة إلى أن القانون المقارن لم يجمع على منح الاختصاص في مسطرةالصلح للقضاء الجالس لأن الغاية من اعتماد الصلح هي التخفيف على قضاة الحكم والحدمن تراكم الملفات والقضايا .
وقد أحسن المشرع المغربي صنعا رغم التخوفات التي أبداها البعض حول اختصاصالنيابة العامة بهذا التدبير 8للاعتباراتالآتية :
1- أن الجهة الوحيدة التي تملك الدعوى العمومية هي النيابةالعامة
2- تفعيل مبدأملائمة المتابعة الذي يعد مبدأ أخذ به المشرع المغربي منذ سنة 1959 إلى الآن .
وعموما، فمسألةالوقت وتدبيره حتى تتمكن النيابة العامة من الإشراف الجيد على الصلح مسألة نسبيةلأنه من المفروض قبل اعتبار تقييم الزمن الانطلاق من مبدأ اختيارية المصالحة وفيقضايا معينة وليس كلها، كما أن إشكالية الاكتظاظ في الملفات المعروضة على قضاءالموضوع وبطء إجراءات التقاضي لا ترجع في الواقع إلى كثرة الملفات بقدر ما تعودإلى مشاكل إجرائية ترتبط بتجهيزها والإسراع بالبت فيها .
كما أن مقررات الصلح التي تحال على غرفة المشورة لا تتم إلا بإشعار فورييوجه للأطراف وإخطارهم بتاريخ الجلسة الأولى التي سوف يعرض فيها على خلاف ما لو تمعرض ملف النزاع بالطريقة العادية على المحكمة وما قد يستغرقه من وقت للفصل فيه .
ولا تعتبر مسطرة الصلح مسقطة للدعوى العمومية بل موقفة لها فقط حيث يمكنللنيابة العامة تحريك الدعوى العمومية في حالتين :
1 – تراجع المشتكىبه عن تنفيذ مقرر الصلح المصادق عليه
2 - ظهور أدلة جديدة لم تعرف من قبل تقتضي تحريك المتابعة .
وعموما، فالغاية المثلى من مراجعة القضاء لا تكمن في إصدار الأحكام، بل فيتحقيق العدالة من خلال العمل على تغليب جانب السماحة والعفو على منطق الانتقاموالعقاب .
وسوف نحاول في الفصل الثاني الوقوف على دور المحكمة فيتفعيل مقرر الصلح وتنفيذ الاتفاق الصلحي بين أطرافه .





ثانيا : دور المحكمة في مسطرة الصلح
ورد في المادة 41 من ق.م.ج " يحيل وكيل الملك محضر الصلح على رئيسالمحكمة الابتدائية أو من ينوب عنه للتصديق عليه بحضور الأطراف بغرفة المشورةبمقتضى أمر قضائي لا يقبل أي طعن ".
قبل الحديث عن هذا الدور تجدر الإشارة إلى أن تخوفات تم التعبير عنها بخصوصدور رئيس المحكمة أثناء مناقشة مشروع قانون المسطرة الجنائية مفادهــا " أنهفي الوقت الذي كان فيه مكتب وكيل الملك والرئيس والنواب يتوفر على نوع من الحرمةفإن مسطرة الصلح سوف تعطي فرصة لبعض الأشخاص الذين يسترقون السمع أن يركبوامحاولات دنيئة للمس بسمعة القضاء، وهو ما من شأنه المس بحرمة جهاز العدالة بفتح المجاللنوع من المزايدات "9
يمكن القول إن حدة مثل هذه التحفظات ستخف بمجرد ما أنيتم تفعيل مسطرة الصلح والشروع في تطبيقها، ذلك أنها ثلاثية الأطراف لا تباشربالفرض والإجباربل بناء على توافق إرادة المشتكي والمشتكيبه ووكيل الملك، ويحرص هذا الأخير وبعده المحكمة في جميع الأحوال على حماية النظامالعام والأخلاق الحميدة، إذ لا يمكن أبدا تصور انسياق جهاز العدالة مع رغبةالطرفين في حالة ما إذا كانت الجريمة خطيرة، ذلك أن المشرع قيد الصلح بالجرائمالتي تقل عقوبتها عن سنتين مع توفر ضمانة أساسية تتمثل في ضرورة حضور الأطرافشخصيا بمفردهم أو بمؤازرة دفاعهم بناء على رغبتهم .
وبخصوص إسناد الاختصاص للمحكمة للمصادقةعلى مقرر الصلح ذهب البعض إلى القول إنه بهذا الإجراء لم يتم تخفيف العبء علىالمحاكم لكون القاضي الذي سيبت في النزاع ويصدر حكما بالإدانة أو بالبراءة سوفيكلف بالمصادقة على محضر المصالحة وفق ما انتهت إليه إرادة الأطراف، مما يفيداستمرار عرض الملفات على المحاكم وبقاء ظاهرة الكثرة والعرقلة والزمن وعدم حرق أيةمرحلة من المراحل بتطبيق المادة 41 من ق.م.ج.
عموماقد يبدو هذا الانتقاد سليما للوهلة الأولى سيما وأن المحضر المنجز بالصلح أمامالسيد وكيل الملك يعد من قبيل التوثيق التعاقدي الرسمي الذي لا يمكن الطعن فيه إلابالزور، إلا أنه للجواب عليه يمكن القول إن القانون المقارن لم يعط كله الاختصاصفي الصلح كاختصاص فريد للقضاء الجالس لأنه لكي يعطى هذا الاختصاص للقضاء لابد منتحريك الدعوى العمومية وهو اختصاص أصلي للنيابة العام علما بأن الاختصاص الممنوحللقضاء تمت إحاطته بضمانات وشروط تتمثل في وجوب عرض مقرر الصلح على رئيس المحكمةلكي يصادق عليه، وإذا لم تتم المصادقة عليه يصبح الصلح لاغيا، وفي ذلك تفعيل لمبدأملائمة المتابعة وجبر للنيابة العامة على عدم حفظ المسطرة، أما إذا نجح الصلح فإنالمسطرة تحفظ بنص القانون .
منهنا نخلص، إلى أن دور المحكمة يسمح بالتوفيق بين مبادئ قانونية متعددة ومتعارضة فينفس الوقت بأسلوب مرن ومحاط بجملة من الضمانات ( المتابعة وحفظ المسطرة )، كما أنالمصادقة على مقرر الصلح لا تعتبر حكماباتا ومبرما، بل هي تصديق قضائي من نوع خاص من أهدافه تطويق النزاعات والتخفيف علىالقضاء .
ثالثا : الجرائم المشمولة بالصلح
نص المشرع المغربي في مطلع المادة 41 منق.م.ج. على أنه " يمكن للمتضرر أو المشتكى به من قبل إقامة الدعوى العموميةوكلما تعلق الأمر بجريمة يعاقب عليها بسنتين حبسا أو أقل أو بغرامة مالية لايتجاوز حدها الأقصى 5000 درهم أن يطلب من وكيل الملك تضمين الصلح الحاصل بينهمابمحضر " .
إن أول ما يستنتج من منطوق هذه المادة أن الجرائم التي يمكن التصالح بشأنهاتتميز في معظمها بطابعها البسيط وارتباطها بالجوانب الاجتماعية والعائلية، كما أنالإحصائيات تؤكد أن هذه القضايا تمثل صدارة القضايا المدرجة حاليا أمام المحاكمالعادية من قبيل الإيذاء العمدي الخفيف، إهمال الأسرة، السرقة الزهيدة...إلخ
وإلى جانب حصر الصلح في الجنح الضبطية تتسممسطرة الصلح بالحضورية حيث يجب على الطرفين أن يحضرا أو على الأقل المشتكي به لأنالمشتكي قد يتغيب خاصة في الحالة التي يدلي فيها بتنازله .
ويمكن حصر صور الصلح التطبيقية في الحالات التالية :
أ‌- إما أن يتوافق الأطراف الثلاثة، أي المشتكي والمشتكي بهوالنيابة العامة على الصلح فيحضروا جميعهم ( الفقرة الأولى من المادة 41 من ق.م.ج.)
ب‌- إما أن يقترحالصلح من النيابة العامة والمشتكي ( الفقرة الرابعة من المادة 41 من ق.م.ج. )
ج‌- وإما أن يطلب المشتكى به سلوك الصلح، وفي هذهالحالة يكون حضوره ضروريا .
ويمكنالقول، من جهة، بخصوص الجنح المعاقب عليها بالغرامة فقط والتي لا يمكن تقديممقترفيها إلى النيابة العامة متى ارتكبت لوحدها، أن ما يلاحظ في الحياة العملية هوكون المعنيين فيها نادرا ما يستجيبونللاستدعاءات الموجهة إليهم من طرف القضاء للحضور، ومن جهة أخرى أن السماح بإجراءالصلح بخصوص الجرائم المحددة في المادة 41من ق.م.ج لا يعني تساهل المشرع بشأنها لأن الصلح إجراء اختياري وليس إجباريا،كما أنه يمكن للنيابة العامة رفض الصلح إذا ما كان للجنح ارتباط بجرائم أخرى مخلةبالنظام العام .
رابعا : تنفيذمقــــــرر الصلح
أسندالمشرع للنيابة العامة مهمة السهر على تنفيذ مقرر الصلح بعد المصادقة عليه بغرفةالمشورة، ويطرح التساؤل في هذا الصدد حول جزاء الإخلال بمقرر الصلح، وحول ما إذاكان الأمر القضائي يسقط الدعوى العمومية .
إن الأمر القضائي يتمتع بقوة الشيء المقضيبه مادام أنه لا يقبل أي طعن فهو يصدر باسم جلالة الملك وبشكل انتهائي، ومن ثميمكن لوكيل الملك تحريك المتابعة في حالة عدم تنفيذ الالتزامات التي صادق عليهاالقاضي .
أماالجواب عن التساؤل الثاني فهو أن الصلح لا يؤدي إلى سقوط الدعوى العمومية بل إلىإيقافها فقط بصريح المادة 41 من ق.م.ج. فإذا ما ظهرت عناصر جديدة تمس الدعوىالعمومية يمكن للنيابة العامة تحريك المتابعة رغم مقرر الصلح ما لم يطل التقادمالمسقط الجريمة موضوع المقرر الصادر.

الخلاصــــــــة :
إن مسطرة الصلح آليةحضارية لتربية النفس على التسامح وتجاوز شائبة الخطأ ودافع الانتقام والقصاص فيالسلوك الإنساني، وما من شك في أنه إذا ما تم تطبيق مقتضى المادة 41 من ق.م.ج.التطبيق الصحيح وتفعيلها التفعيل السديد سيكون له الأثر الإيجابي على تصريفالقضايا وتدبير النزاعات أمام القضاء وإعفائه من الانشغال في نزاعات تكلفه الكثيرمن غير جدوى ./.



[1] ) أخذ القانون الفرنسي في الفصل 41 –1 من قانون المسطرة الجنائيةباعتماد الوساطة من طرف وكيل الجمهورية، وأكد هذا المبدأ في المادة 15 –1 والتيجاء فيها : عندما يقرر وكيلالجمهورية الالتجاء إلى الوساطة طبقا للمقتضيات المقررة في الفصل 41 – 1 يعين لهذهالغاية شخصا ذاتيا أو معنويا للقيام بهذه المهمة، كما نص عليه الفصل 216 مكررمرتين في قانون التحقيق البلجيكي .

[2] ) حدد الأستاذ جلال تروث في مؤلفه نظم الإجراءات الجنائية عناصرمسطرة الصلح في كونها :
مسطرة استثنائية لا تقوم إلا بالنسبةلجرائم بسيطة (مخالفات أو جنح)
عمل إجرائي إداري لا ينعقد إلا بإرادةالأطراف
يرتب سبب خاص بجريمة بعينها فلا يتعدى أثرها على الجرائم التي ارتبطتبها، بل تظل هذه الجرائم محكومة بالقواعدالعامة من أنها منوطة بسلطة النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية .
راجع جلال تروث : نظم الإجراءات الجنائية–دار الجامعة الجديدة- السكندرية 1997 صفحة 230.

[3] ) يقول الله تعالى في محكم كتابه : "وإن طائفتان من المؤمنيناقتتلوا، فأصلحوا بينهما".

[4] ) عبرت الصيغة الأولية لمشروع قانون المسطرة الجنائية المقدمة منطرف مديرية الشؤون الجنائية والعفو على كلمة الصلح بمصطلح السدد، وقد أثار هذاالتعبير جملة من الملاحظات أثناء مناقشة المادة 41 من ق.م.ج في لجنة العدلوالتشريع ليتفق النواب في النهاية على استبدال كلمة سدد بكلمة صلح .

[5] ) يمكن تعريف لفظ السدد اصطلاحيا كما وردفي لسان العرب لابن منظور بأنه "القصد في القول والوفق والإصابة والتسديدوالتوفيق للسداد أي للصواب"، كما عرفته محكمة النقض المصرية بأنه بمثابة نزولمن الهيئة الاجتماعية عن حقها في الدعوى الجنائية مقابل الجعل الذي قام عليهالصلح" راجع جلال ثروت في نظم الإجراءات الجنائية، درا الجامعة الحديثة الطبعةالأولى 1997 الإسكندرية .

[6] - Dalloz. 2000. code de procédure pénale .
Voir aussi code deprocédure pénale article 13 et 14 édition litec .

7 ) للمزيد من الإيضاح راجع مقال ذ محمد سلام " أهمية الصلح فيالنظام المغربي " مجلة المحاكم المغربية عدد 93 مارس – أبريل 2002 الصفحة 15 .

8 ) أبدى العديد من النواب تخوفات عدة من إسناد الصلح للنيابة العامةيمكن تلخيصها كالآتي :
· تضخمالملفات والمحاضر المحالة على النيابة وتعدد مساطر الاستنطاق والاستماع للمعتقلينوإنجاز الإنابات القضائيةمسؤولية تستغرق معظم وقت عمل النيابة العامة، وإذا ما تمت إضافة مسطرة الصلح لهذاالعمل أمام الخصاص الملحوظ في وسائل العمل المادية والبشرية فإن من شأن ذلك أنيؤثر سلبا على فعالية وسرعة هذه المسطرة .
· إمكانية قيام سوء فهم هذه المسطرة من لدنمرتكبي الإجرام، واعتبارها من طرفهم أداة تسهل اقترافهم للجرائم .
· إمكانية اعتماد الضغط من لدن النيابةالعامة على الأطراف لاعتماد الصلح.
· استلزام مسطرة الصلح لملكات فنية وذهنيةولقدرة عالية على المحاورة والإقناع لإيجاد أرضية للتصالح قد لا تتوفر دوما .
· إن إسناد الصلح للنيابة العامة مسألةتحمل تناقضا صارخا لأنه يجعل من هذه الأخيرة خصما وطرفا في نفس الوقت فهي من جهةتمارس الصلح مع المشتكي والمشتكى به، ومن جهة أخرى تملك سلطة تحريك المتابعة ضدهذا الأخير.

9 ) راجعتقرير لجنة العدالة والتشريع –مجلس النواب- الجزء الثاني- السنة التشريعية الخامسة2001-2002 الولاية التشريعية : 1997-2002 صفحة 91 .
avatar
bribich abdelaaziz
عضو جديد
عضو جديد

المدينة : casablanca
العمر : 35
المهنة : avocat stager
ذكر
عدد المساهمات : 18
نقاط : 50
تاريخ التسجيل : 22/11/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى