خطري ولد سعيد الجماني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

خطري ولد سعيد الجماني

مُساهمة من طرف النورس في الثلاثاء 29 مارس - 16:31


يعد خطري ولد سعيد الجماني أحد أكبر أبطال النكتة السياسية والاجتماعية بالمغرب بدون منازع، لقد ظل شخصية حيكت حولها الكثير من النكت جعلت منه ظاهرة غير مسبوقة في المخيلة الشعبية المغربية.
فمنذ التحاقه بالمغرب وتقديمه البيعة للملك الراحل الحسن الثاني، صار خطري ولد سعيد الجماني شخصية معروفة لدى جميع المغاربة، صغيرهم وكبيرهم، الشيء الذي دفع الكثيرين إلى التساؤل عن الجهات التي كانت تسهر على فبركة النكت حوله، لاسيما وأن أغلبها كان يمرر مواقف وأفكار سياسية واجتماعية قوّية في جو ظل مطبوعا بالخوف والقمع والترهيب وتضييق الخناق على حرية التعبير.

كان سعيد الجماني قصير القامة، لكنه في نفس الوقت ظل كطود شامخ بالنسبة للصحراويين، كان يسمو فوق كل الشخصيات التي تحضر بين يدي الملك الراحل، ولعل ما كان يميزه الجماني، لباسه الصحراوي "الدراعية" وكذا عمامته التي تخفي ما فعله الدهر بشعر رأسه، قصير الشنب، كث اللحية، لا تفارق ابتسامته فمه الضيق، ولعلها السر الوحيد الذي يجذب حوله الآخرين، خصوصا عندما تفلح في إظهار تلك "الفلجة" بين أسنانه، كان عذب الحديث، إذ يتكلم لغة عربية فصيحة وأحيانا تنطلق اللهجة "الحسانية" منسابة من فمه، مما يضفي على جلساته جوا حميميا بنكهة صحراوية محضة، كما كان يتكلم أيضا لغة إسبانية سلسة اكتسبها بحكم علاقاته مع الإسبانيين آنذاك، فضلا عن المترجم الخاص الذي كان يرافقه، ومع ذلك فقد كان يحاور المسؤولين بطريقته الخاصة، وكباقي الصحراويين كان سعيد الجماني يميل إلى الوجبات الصحراوية، لكنه كان يفضل التهام اللحم المشوي المعد بالطريقة التقليدية، مع الإكثار من وجبات الأرز التي كان يزدردها بنهم كبير.

لقبه البعض بملك النكت، سيما أنه منذ أواخر السبعينات إلى الآن ظل سعيد الجماني الشخصية المحورية التي تدور حولها أغلب النكت المغربية، ولعل جل هذه النكت كانت تتحدث عن طرائفه مع الملك الراحل الحسن الثاني، فما إن يتردد اسم سعيد الجماني كبطل لنكتة ما حتى تجحظ العيون، وترتخي الأعصاب وتستعد النفوس لقهقهة جماعية قد تتحول إلى ضحك هستيري، وحسب بعض المحللين، فإن تلك النكت المؤلفة حول مقالب وطرائف سعيد الجماني، أفلح في صناعتها بعض المقربين من الراحل إدريس البصري حتى يصبح اسم سعيد الجماني الصحراوي أكثر تداولا في صفوف المغاربة، وانطلاقا مما قاله بعض المقربين من أسرة سعيد الجماني، فإن هذا الأخير، لم تكن تغضبه تلك النكت بحكم ما كان يتميز به من مرح وحب للمستملحات والطرائف، يقينا منه أن شخصيته المرموقة والمحترمة دوليا ساهمت في صناعة هذه الطرائف، على غرار بعض الشخصيات العالمية التي أنشئت حولهم
النكت بغزارة.


الانطلاقة

من النكت الأولى التي راجت بخصوص الجماني مباشرة بعد حلوله بالمغرب، تلك المتعلقة بلقائه الرسمي الأول مع الملك الراحل الحسن الثاني، وهي نكتة ظهرت بعدة روايات، منها "عندما شمله الملك بعطفه وغطاه بسلهامه، اقترب الجماني من الملك فقال له في أذنه: ما كاينش شي دفينة للوالدة وشي سريولات نعم أسيدي؟".

ومنذئذ تناسلت النكت والغرائب التي حيكت حول هذه الشخصية التي أضحكت المغاربة على امتداد عقد من الزمن على الأقل.


فترة الإزدهار


ازدهرت ظاهرة النكت حول شخصية الجماني في الفترة التي تلت المسيرة الخضراء، في سنة 1975، آنذاك أضحينا نسمع كل يوم أكثر من نكتة جديدة.
بالضبط منذ خريف 1975 بدأت تلك النكت تعرف انتشارا كبيرا، لكنها منذ الثمانينات لم تعد تعرف تلك الشعبية التي حققتها في بداية انطلاقتها.

وهذا من المؤشرات القوية التي تبرهن أن كل ما حيك حول شخصية الجماني كان بعيدا عن الواقع، إذ كان الغرض منه هو استعمال شخصه لتمرير مجموعة من المواقف والأفكار ذات دلالة بطريقة سخرية مبالغ فيها، وهذا يذكرنا بما كان يقوم به "بريخت" مثلا في استعمال شخصياته المسرحية العبثية لتمرير جملة من المواقف الجريئة.

إن أغلب النكت المحاكة حول شخصية الجماني تضمنت خطابا أنتجه المجتمع المغربي حول ذاته وحول الآخر.
في البداية حظيت تلك النكت بالإعجاب ووجدت لها صدى في مختلف فئات المجتمع المغربي، وسط الحاكمين والمحكومين على حد سواء، واستمرت في الرواج والانتشار على امتداد عقد ونيف من الزمن.



علاقة الجماني بالحسن الثاني


قبل انطلاق المسيرة الخضراء كانت هناك علاقات سرية تربط بين الملك الراحل الحسن الثاني وخطري ولد سعيد الجماني، حيث تبادلا الكثير من المراسلات، وقبلها بأيام معدودة قدم الجماني البيعة للملك في أكتوبر 1975، إذ استقبله الملك الراحل الحسن الثاني استقبالا رسميا من قبيل استقبال الرؤساء، وهذا ما صرح به الملك الراحل نفسه، إذ قال: "لم يسبق لي أن استقبلت مغربيا كما أستقبلك اليوم".


هل كان الملك يثق في الجماني؟


رغم أن الملك الراحل الحسن الثاني كان يشيد بوطنية خطري ولد سعيد الجماني، وألبسه سلهامه، فإن ثقته به كانت محدودة جدا حسب المقربين.

علما أن التحاقه بالمغرب، قبيل انطلاق المسيرة الخضراء، شكل ضربة قوية لمناوئي الوحدة الترابية للمغرب، والذين كانوا يراهنون على موقف الجماني وتأثيره على سكان الصحراء، وقد تبع الجماني، مع مرور السنين كثير من أبناء الصحراء، ومن بينهم مجموعة من مؤسسي جبهة البوليساريو، وأغلب هؤلاء يشغلون الآن مسؤوليات في أجهزة الدولة المغربية.

ومنذ استقراره بالرباط في أواخر سنة 1975 بدأ خطري ولد سعيد الجماني يظهر بجانب الملك الراحل الحسن الثاني، ويحضر في الكثير من الاستقبالات والمناسبات الرسمية.

وذلك رغم أن أغلب النكت، ذات الطابع السياسي، التي جادت بها القريحة الشعبية، ظلت تصور الجماني كأنه يمرر، من حيث لا يدري، "ميساجات" قوية ذات دلالات كبيرة، عبر استعمال سذاجة منقطعة النظير في الحبكة، (مثل النكتة الخاصة بإحداث وزارة للبترول بالمغرب وما شابهها).


من كان يصب الزيت على النار؟

على امتداد عقد ونيف من الزمن ظلت النكت "الجمانية"، ذات الدلالة القوية تتناسل بدون انقطاع، واحدة أقوى من الأخرى، والأخيرة منها تنسيك في الأولى، فهل كانت هناك جهة بعينها تهتم بهذا الأمر؟
فهناك مصادر لا تخفي أن تكون جهات أمنية بعينها ساهمت في حَبْكِ جملة من النكت أو على الأقل سهرت على انتشارها وسط المغاربة بسرعة، لاسيما في بداية استقرار خطري ولد سعيد الجماني بالرباط.
ومن الملاحظ أن أغلب النكت حول الجماني، الموصوفة بالنكت السياسية، ظلت تحمل في طياتها حضور فكرة تمرير "أفكار" و"مواقف" و"أحكام قيمة" ذات دلالات سياسية آنية ومستقبلية قوية وعميقة جدا.
وفي هذا الصدد تم استعمال شخصية خطري ولد سعيد الجماني لتنسج حولها نكت قصد تمرير مواقف وآراء جريئة وقتئذ، تلافيا للقمع السائد، وقد انقض اليسار الراديكالي على الفرصة ومرر في هذا المجال أفكارا كثيرة عبر سذاجة شخصية الجماني كما دأبت على تصويرها المخيلة الشعبية.


الجماني والصحراء


لم يُعرف على خطري ولد سعيد الجماني مواقفه حول القضية الوطنية أو اضطلاعه بمهام خاصة بهذا الشأن.

إلا أنه حسب بعض المقربين لم يكن راض على المنحى الذي سار فيه ملف الصحراء، إذ ظل يعتقد، بحسرة كبيرة، أنه كان بإمكانه أن يلعب دورا أكبر في هذا المجال.

ورغم أنه كان يعين ضمن الكثير من الوفود التي قامت بزيارات عديدة عبر العالم بخصوص قضية الصحراء، إلا أن التاريخ لم يسجل له إلا الخطاب الذي ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بصفته رئيس الجماعة الصحراوية آنذاك، إذ صرح بترحيب شيوخ القبائل الصحراوية باتفاقية مدريد، وأعلن عن سعادتهم بعودة الصحراء إلى الوطن وتحرير سكانها بعد أربعين سنة من الاحتلال.


ظل شخصية وازنة داخل العشيرة


بالرغم من كل النكت التي نسجت حول شخصه، ظل خطري ولد سعيد الجماني الشخصية الوازنة الأولى في نظر المغاربة والفرنسيين والإسبانيين، وقد شوهد له بالدور الذي لعبه في الحفاظ على توازن صعب التحقيق بالمنطق وسط القبائل الصحراوية منذ أن عوض والده كشيخ على رأس أكبر قبيلة صحراوية، كما ظل وزنه قويا وسط عشيرته ودوره واضحا في المنظومة القبلية الصحراوية.

وبقي جزء من عشيرته لأسباب مجهولة في مخيمات تيندوف، علما أن عددا كبيرا من عائلته احتلوا مواقع مهمة في صفوف جبهة البوليساريو ومختلف أجهزتها المركزية أو في مخيمات الحمادة.

واختصارا لمسار الرجل، سيظل المرحوم الحاج خطري ولد سعيد الجماني، أحد أهم الشخصيات البارزة في تاريخ المغرب، الحديث التي بسطت وعبدت الطريق كي يسترجع القصر دفء الصحراء الذي انتعشت به الإدارة الإسبانية حوالي أربعين سنة، وكذا أهم الشخصيات المغربية التي تنشرح لها أسارير النفس فور سماع اسمها كبطل للنكتة المغربية بامتياز، إذ حسب البعض، فقد كان الراحل الحسن الثاني حريصا على سماع الجديد مما يروج من نكت حول شخصية الجماني، الرجل المزواج الذي يقال عنه إنه تزوج حوالي تسع نساء وأنجب ستة وعشرين ولدا، كان هذا إذن مسارا مختصرا لرجل، بصم بـ "الماس" اسمه في سجل تاريخ المغرب الحديث، الذي لم ينصفه بعد لتأليف مدونات تاريخية حول شخصيته السياسية والطريفة، والأكثر شعبية على الإطلاق، فإذا كان الخليفة هارون الرشيد قد اقترن باسم شاعره أبي نواس، وسيف الدولة قد لمع اسمه مع شاعره أبي الطيب المتنبي، فإن الراحل الحسن الثاني ارتبط اسمه أيضا برجل صحراوي اسمه سعيد الجماني.

ومن النكت المشهورة عن خطري ولد سعيد الجماني


الوحدة العربية


من ضمن النكت التي شاعت وانتشرت بشكل واسع في المغرب، تلك التي تحدثت عن سعيد الجماني كممثل للمغرب في القمة العربية، إذ حسب الرواية فإن سعيد الجماني أنصت بما فيه الكفاية إلى كل الخطب والكلمات المنقولة عن الزعماء العرب، وقد انتظر بفارغ الصبر، أن يأتي دوره لإلقاء كلمته، سيما أنه كان جائعا، كان العالم العربي حينها يعيش وضعا متأزما وتمزقا ملحوظا استدعى بسببه عقد اجتماع طارئ للزعماء العرب، ولما جاء دور سعيد الجماني في إلقاء الكلمة، جذب إليه الميكروفون، ونظر مليا في وجوه الزعماء ليصرخ بصوت جهوري "الوحدة"، وما إن أنهى كلمته حتى وقف الحاضرون من الزعماء العرب ووزراء خارجيتهم وقد صفقوا بحرارة لهذا الموقف الجريء الداعي إلى وحدة الأمة العربية، وما إن جلسوا، حتى أكمل قائلا: "الوحدة وتولوت الآن، وما زال ما تغديناش أعباد الله".

لقد جمجمني صاحب الجلالة


راجت في منتصف الثمانينات رواية جمعت بين الجماني ومحمد أرسلان الجديدي الذي كانت تنسج حوله النكت قبل أن تنتقل إلى الجماني، وذلك أن الجماني حضر في اجتماع ترأسه محمد أرسلان الجديدي في مطلع الثمانينات، ضمن الاجتماعات المفتوحة على الجماهير في إطار التهييء للانتخابات التشريعية، والتي تناول فيها الجديدي كلمة مطولة وكان وقتها يشغل منصب وزير الشغل والإنعاش الوطني. وكان قد افتتح كلمته بالعبارة التالية (لقد أرسلني صاحب الجلالة)، إلا أن العبارة لم تصل إلى ذهن الجماني بما تعنيه الكلمة، إنما فسرها على أن الجديدي قالها لأن اسمه العائلي أرسلان، لذلك قال (لقد أرسلني)، بما يعني أن المسؤولين الكبار يستهلون خطبهم بذكر أسمائهم، وهو ما حذا به إلى الرحيل إلى عيون الساقية الحمراء وعقد اجتماعا مفتوحا في الهواء الطلق، حضره العامة، في تجمع خطابي كبير ترأسه سيدي خطري ولد سعيد الجماني، وقال في مستهل كلمته أسوة بأرسلان الجديدي (لقد جمجمني صاحب الجلالة)، بما يعني أنه استهل الاجتماع على طريقة المسؤولين الكبار.


وزارة البترول

يحكى والعهدة على الراوي أنه ذات مرة دخل خطري ولد سعيد الجماني على الراحل الحسن الثاني، وهو على عجلة من أمره وصادف وقتها أن كان الحسن الثاني يستعد لتشكيل حكومة الفيلالي، فما إن لمحه الملك، أدرك بسرعة بديهته أن الجماني يحمل أخبارا جديدة، فبادره بالسؤال.

ماذا تحمل من جديد يا ولد سعيد؟
فأجابه والحيرة بادية على وجهه بشكل ملحوظ وكأن الأمر خطير للغاية:
ء لماذا يا مولاي لا تعينون ضمن حكومتكم الجديدة وزيرا للبترول؟

فابتسم الملك ورد عليه ببساطة:
كل ما في الأمر يا سيد خطري أننا في المغرب لا نتوفر على بترول، نحدث من أجله وزارة.
طأطأ الجماني رأسه، وكأن الرد لم يقنعه، وهم بالخروج، لكن الحسن الثاني لاحظ الارتباك في تصرف الجماني فسأله:

لماذا تستغرب، هل سمعت في جوابي ما يدعو للغرابة؟
فرد عليه بكل عفوية، لا تؤاخذني يا مولاي..
فاندهش الملك وأمره بالتعبير عن رأيه بصراحة، فقال له الجماني:
ء يا مولاي بما أننا لا نتوفر على بترول، فلا حاجة بنا لوزير للبترول، وطالما أننا لا نحقق العدل فما الحاجة بنا إلى وزير العدل
.


عن المشعل باختصار









النورس
نائب المدير
نائب المدير

المدينة : الرباط
العمر : 41
المهنة : إطار
ذكر
عدد المساهمات : 846
نقاط : 1435
تاريخ التسجيل : 20/08/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى