غاندي المغرب / الدكتور المهدي المنجرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

غاندي المغرب / الدكتور المهدي المنجرة

مُساهمة من طرف النورس في الجمعة 21 أكتوبر - 16:45



رجل كثير التواضع يأخذك البعد الإنساني فيه، تسحرك قدرته الفائقة على التواصل بسهولة ويسر، يشعرك بالقوة والقدرة على التحدي، مثقف، محلق في سماء الحرية لا تأسره الأقفاص، لا يكاد يحط حتى يعاود الطيران.




حادثة غريبة وبداية رحلة:

في مارس 1933، في مدينة الرباط ولد الدكتور المهدي المنجرة عالم المستقبليات من أسرة ميسورة الحال، وفي سن الخامسة عشرة من عمره انتقل للدراسة في أمريكا بعد أن أمضى سنوات صعبة توجت بطرده من ثانوية ليوطي بالبيضاء وقبلها من ليسي ديكارت بالرباط، لقد دفع ثمن أفكاره منذ صغره. كرس حياته للدفاع عن الحق في الاختلاف كقيمة، لاسيما وهو الرجل الذي اندغمت بداخله صلابة وقوة المبدأ وانصهرت في صلبه الجرأة في التعبير والصدق مما جعله يصطدم بكل المتسلطين والمستبدين خاصة وأنه شاهد على فترة الحماية.

حادثة غريبة كانت وراء التحاقه بالديار الأمريكية في نهاية أربعينات القرن الماضي لمتابعة دراسته إنها واقعة حدثت للمهدي المنجرة الشاب سنة 1948 وكانت فاصلا في مسار حياته وشخصيته.

كان آنذاك بمدينة إفران، بينما كان في المسبح اقترب كلب بالفرنسيين وأجابه آخر قائلا: إذا كان هناك عرب يسبحون فلم يمنع ذلك على الكلاب. لم يتمالك المهدي المنجرة نفسه فانقض على ذلك الرجل ولكمه ليقضي "الرجل الذي رفض بيع ضميره" أياما رهن الاحتجاز وهو طفل، وهذا ما أقنع والده بضرورة إرساله إلى أمريكا لمتابعة دراسته. هناك حصل على الإجازة من جامعة كورنيل بنيويورك في البيولوجيا بعدها سرعان ما سيغير مجال البيولوجيا ويتجه صوب مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولية بحيث سيحضر أطروحة لنيل الدكتوراه في موضوع الجامعة العربية وبذلك نال شهادة الدكتوراه من جامعة لندن للاقتصاد (1954ء1957).

بعد تخرجه من لندن عاد إلى المغرب حيث اشتغل في كلية الحقوق أكدال أستاذا للعلاقات الدولية وحصل له الشرف بالمناسبة بأن كان أول أستاذ جامعي في المغرب يحصل على هذه الصفة. وبعد سنة قضاها في كلية الحقوق أكدال، التحق بالإذاعة والتلفزيون كمدير عام خلفا للراحل قاسم الزهيري.وارتباطا بمجال الجامعة والبحث العلمي اقترح آنذاك على الحسن الثاني أن يكون على رأس هيئة تهتم بتدبير الجامعة المغربية مع تمتعها باستقلال مادي واداري.غير أن العاهل رفض هذا الطلب.

لكن القدر كان قاسيا مع الرجل ومع المغاربة أيضا، حيث لن يعمر طويلا في الإذاعة وسرعان ما سيستقيل بعد إقالة حكومة عبد الله إبراهيم، فالمهدي المنجرة لم يستسغ الطريقة المذلة التي تم بها اعفاء حكومة عبد الله إبراهيم الحائزة على شرعية شعبية (من طرف الحسن ىى وصديقه أحمد رضا اكَديرة).

بعد هذه الأحداث العصيبة وما تلاها من إعلان حالة الاستثناء في المغرب، غادر المنجرة المغرب صوب أمريكا ويقول "وبهذا أكون قد أمضيت معظم عمري طائرا"، حيث شغل نائب المدير العام لليونيسكو آنذاك "روني ماهو" كما شغل قبل ذلك منصب أول مستشار للبعثة الدائمة للمغرب لدى الأمم المتحدة.ومن هذا المنبر قدم استشارات على درجة بالغة من الأهمية للحكومة المغربية في مجالات التخطيط والتعليم واستشراف المستقبل والتي لم تؤخذ على محمل الجد.

سافر تجد عوضا عمن تفارقه:

كانت النقطة التي أفاضت الكأس وهيئت جميع الشروط والظروف لهجرة المهدي المنجرة إلى اليابان، منعه من القاء محاضرة بجامعة فاس. ومهما يكن من أمر فإن الدكتور هاجر قسرا باعتبار ما بينه وما بين بلاده من حب وتعلق وما بينه وبين الجامعة المغربية من علاقة وطيدة، "يؤلمني ويحز في قلبي منذ 10 سنوات شيء واحد وهو أنني لا أعرف سبب منعي ولا من يقف وراءه، أنا لست رجل أعمال ولا رجل حزب أو سياسة بالمعنى الضيق للكلمة" لذا أقبل الأمور كما هي وكما تأتي".

ظل دوما يتحدى أكثر المسؤولين نفوذا في قضايا الشأن العام وكان عناده الشديد يصيب البعض بالارتباك، لقد رأوا في شخصه مثالا للمرشد "الروحي" خاصة عندما ينذرهم بأن العالم سوف يحصد التعاسة ان لم يطبقوا توصياته.

وتبقى الحرية والكرامة من المفاهيم المركزية في فكر المنجرة، فهما الطريق نحو الإبداع فالرجل يحسب له ألف حساب في كل بقاع العالم وتستقبله الجامعات بالأحضان لبلاغة أفكاره.

"غاندي المغرب" أشرف سنة 1998 بطوكيو على فريق بحث علي يضم 15 عالما في موضوع: التعددية الثقافية وآثارها المستقبلية على الهجرة،وموضوع التعددية الثقافية هو عنوان المؤلف الجديد الذي كان يشتغل عليه في السنتين الأخيرتين إلا أن المرض حال دون خروج هذا العمل إلى الوجود.

ويرى المنجرة أن "تطور اليابان يعود بالأساس إلى سيرورة اجتماعية ذاتية، لعبت فيها اللغة والقيم دورا حاسما. فنجاحات اليابان في المجالات الاقتصادية والعلمية والثقافية فندت إذن أطروحة الطريق الوحيد نحو التحديث يمر بالضرورة عبر الغربنة(وچچيدينتاليساتيون)"، هذه السابقة حطمت نهائيا احتكار الغرب للحداثة وأثبتت أن الحداثة لا يمكن أن تتحقق إلا بواسطة مجهود ذاتي مضيفا: "إن التخلف ليس إلا العجز عن التعبئة الرشيدة للموارد البشرية والكفاأت.

المهدي المنجري المثقف العالمي، الجامعي والمؤلف الواسع الآفاق لم يعد شخصا ذاتيا عاديا بل "أضحى مؤسسة علمية لها أتباع عبر العالم " كما يقول الأستاذ يحيى اليحياوي.

إلــى أيـــن نــســيـــر؟

هو السؤال الذي يؤرق بال عالم المستقبليات لا سيما وهو يعاين غياب رؤية مستقبلية وقد سبق للدكتور أن قال أكثر من مرة "أتحدى أي شخص يعطيني رؤية شاملة حول مستقبل المغرب، للأسف الكل مشغول بالآنية وما يسمى بالانتقال، وأنا أتساءل الانتقال إلى أين؟

تجاوزت شهرته الآفاق كمثقف عالمي من عيار ثقيل يذوذ عن الحريات وحقوق الإنسان،اشتهر الدكتور المهدي المنجرة بكونه أول من فتح ملف حقوق الإنسان بالمغرب ، و فاتح الراحل الحسن الثاني بشأن تأسيس منظمة أو هيأة تعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان غير أن الملك رفض آنذاك طلبه و بشدة غير أنه سرعان ما قبل الفكرة بعدما شرح له المنجرة الدواعي الحقيقية إذ أخبره بأن معظم الخبراء الذين يهاجرون ، يفعلن ذلك ليس بسبب مادي أي البحث عن الثروة بل بسبب غياب مناخ الحرية داخل العمل٠

و هنا دخل الملك الراحل و الذي كان على موعد مع الوزراء أعضاء حكومته في المجلس الوزاري فقال لهم إن المهدي أيقظ ضميري و هكذا كان ميلاد المنظمة المغربية لحقوق الإنسان كأول هيئة حقوقية بالمغرب و مؤسسها المنجرة٠ يقول الدكتور المهدي المنجرة "أن المستقبليات ليست تنبؤ، لأنه لا وجود للتنبؤ عند البشر وإنما يقوم الإنسان بمعاينة وتتبع دراسات تيارات الذات وتوجهات الأحداث ويحاول النظر في مداها البعيد وإلى حيث هي سائرة" وذلك مثل رؤية المرء لموجة البحر.

فالمستقبلي الجيد حسب "المهاتما المغربي" هو الذي يفكر على مدى هو على يقين تام أنه سوف لن يراه ويعاينه، ولن يكون فيه على قيد الحياة وبذلك فإن مصالحه الخاصة لم تعد مرتبطة بآرائه، بل تكون حرة ومتحررة من أية مصلحة كيفما كانت".

الذين يعرفون المنجرة جيدا يعرفون فيه حماسته التي لا تكل ولا تمل وحتى وهو يصارع المرض في وحدته بعيدا عن الأضواء لم ينل من شغفه للقراءة والكتابة وعلاقته بحاسوبه الشخصي الذي يطلق عليه اسم "يطو".

المنجرة مؤمن بأن "السباق في الحياة له معنيين: تسابق من أجل تجاوز الآخرين و تسابق نسعى من خلاله تجاوز أنفسنا".

صوته الذي ظل وحيدا منذ عقود، وحربه الضروس منذ فجر شبابه على "الفكر الواحد" الذي لا يعترف بحقيقة واضحة، الرجل الذي كرس حياته لمحاربة التخلف العلمي، الإعلامي والعربي يرقد اليوم في بيته ولا يسأل أحد عن الوضع الصحي لقيمة ثقافية كبرى عرفت قيمتها دول تعطي الأولوية للعنصر البشري كاليابان والصين التي ترجمت مؤلفه "الحرب الحضارية الأولى" الذي صدر سنة 1991 ليكون بذلك أول مفكر عربي عالمي يقر أن الصراع الذي ابتدأ في شهر غشت من سنة 1990 قد قاد نحو الحرب الحضارية الأولى التي لا تشكل حرب الخليج إلا الفصل الأول من صراع بين شمال وشمال تهيمن عليه اعتبارات من طينة ثقافية،وفي هذا الاطار أسس جائزة التواصل الثقافي شمال جنوب سنة1992 وتمنح لمن يساهم في التقريب بين الحضارات ونزع فتيل المواجهات وقد فازت بها شخصيات مرموقة، غير أنه سرعان ماسيغير اسمها بعد الهجوم الأمريكي على العراق ٢٠٠٣ الى جائزة المهدي المنجرة للدفاع عن الكرامة مؤكدا أن العلم يدفع الحرية وهذه الأخيرة هي قيمة القيم التي تمدنا بالكرامة.

تعطى لكل المدافعين عن حقوق الانسان.وحجبت الجائزة بسبب مرض المنجرة منذ 2009.وكان آخر المتوجين بها المناظل والمقاوم محمد بنسعيد أيت ايدر وحسن الراشدي مدير مكتب قناة الجزيرة السابق ومنتضر الزايدي الصحافي العراقي الذي رشق جورج بوش بحذائه.

المنجرة ظل دوما يسير على نهج غاندي وما أدراك ما غاندي صاحب ثورة الملح، زعيم اللاعنف، غاندي هذا الذي قال ذات يوم قولة حكيمة"إنني أحبذ اللاعنف، لكن إذا خيرت بين الجبن والعنف فإني سأختار العنف".

المنجرة شخص متفوق في جميع الأنشطة، لغته قوية، قاموسه مشحون شفاف، يكتب كما يتحدث إنها شجاعة الرأي، صدق العاطفة ويقظة الضمير.

هو مثقف لا كالمثقفين، منظار متعدد الزوايا يتقن عدة لغات ويؤلف بالعربية والفرنسية والانجليزية واليابانية، اشتهر بكونه المؤلف الذي نفذت طبعة كتاب له في اليوم الأول من صدورها، واعتبرت كتبه الأكثر مبيعا في فرنسا ما بين 1980 و1990.وهو بهذا المعنى يكسر تلك الفكرة التي تقول بضعف الاقبال على القراءة.فالأصل هو ضعف جودة العرض.

قوته تكمن في أفكاره وفي كتاباته التي ترجمت إلى عشرات اللغات الأجنبية خاصة "تقرير نادي روما" و"الحرب الحضارية الأولى".

هو رجل يتمتع بصلابة خلقية ووطنية تدعو للإعجاب لذلك جاءته المناصب فرفضها نذكر منهارفضه لتقلد منصب وزير أكثر من مرة،ورفضه عضوية اللجنة المكلفة بوضع الدستور الأول للمغرب معللا رفضه لهذا الطلب بكون الدستور ينبع من الشعب الذي يسميه ب"العين"،وهو يرى أن صيغة اللجنة أو "اللجنتقراطية" غير ديمقراطية. وسعت إليه الجوائز من جميع أنحاء العالم منها جائزة الحياة الاقتصادية سنة 1981 والميدالية الكبرى للأكاديمية الفرنسية للمعمار سنة 1984، قلادة الشمس الشارقة باليابان سنة 1986.

للمنجرة بنتان احداهما أستاذة مهندسة تدرس بالمدرسة الوطنية للهندسة المعمارية، وبنت أخرى باحثة بالمكسيك،ومن بين خواطره المثيرة للجدل "حب الله يسمو على جميع أنواع الحب الأخرى خصوصآذا اقترن بحب العلم والمعرفة بينما يقتل حب السلطة جميع انواع الحب الأخرى". ورائعته أيضا " الأخــــــــذ هـــــو الــــعـــطـاء
".











النورس
نائب المدير
نائب المدير

المدينة : الرباط
العمر : 41
المهنة : إطار
ذكر
عدد المساهمات : 846
نقاط : 1435
تاريخ التسجيل : 20/08/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غاندي المغرب / الدكتور المهدي المنجرة

مُساهمة من طرف moulay في الخميس 14 فبراير - 13:56

;nn;58 الحمد لله ;nn;58
شكرا أخي النورس على هذا التعريف الجميل للدكتور المهدي المنجرة أحد أعلام الفكر المغربي في هذا العصر والذي كرس حياته للعلم والبحث في ميادين لم تجد طريقها عند غيره من المغاربة والتي استفاد منها العالم كنظرته الثاقبة وتحليله للقضايا المعاصرة في ميدان السياسة والاقتصاد العالمي والتطور الحضاري








يارب لك الحمد كما ينبغى لجلال وجهك وعظيم سلطانك
****لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين****
avatar
moulay
وسام القلم الذهبي
وسام القلم الذهبي

المدينة : ورزازات
العمر : 53
المهنة : أستاذ
ذكر
عدد المساهمات : 284
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 31/07/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى