بلاغة الحوار وتفنيات تدبير الاختلاف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

بلاغة الحوار وتفنيات تدبير الاختلاف

مُساهمة من طرف رحال بن بطوطة في الإثنين 16 نوفمبر - 16:02

ماهية الاختلاف حول القيم

الحوار، في معناه العام: خطاب (أوتخاطب) يطلب الإقناع بقضية أو فعل. وفي معناه الخاص: كل خطاب يتوخى تجاوبَ متلقٍّ مُعين، ويأخذ رده بعين الاعتبار من أجل تكوين موقف في نقطة غير معينة سلفا بين المتحاورين؛ قريبة من هذا الطرف أو ذاك، أو في منتصف الطريق بينهما.
صورتُه المُثلى مناقشةٌ بين طرفين أو أكثر، وقد يكون تعقيبا بعد حين على صفحات الجرائد أو غيرها من وسائط الاتصال التي تتيح فرصة للتعليق على رأي الآخرين، وقد يكون في أي صيغة أخرى"().
الذي يشغلني، وأنا أقترح هذا التعريف التقريبي، هو الخطاب السياسي في معناه العام، أي الخطاب الذي يتناول تدبير الاختلاف في الحياة المدنية. ولذلك لم أعتمد تعريفا سابقا يقيدني بمرجعيته أو مجال تطبيقه. وأحيل، قصد الاستئناس والمقارنة، على تعريف دوكلاس والتون وهو يهتم بالأنماط الحافة بالحوار النقدي المتداخلة معه، مثل: المناقشات والمفاوضات والتحقيقات والمشاحنات(). كما أحيل على بيرلمان وأولبريشت تيتيكا، وهما يهتمان، في الطرف المقابل، بالحجاج الجدلي ضمن هم منطقي فلسفي، اختارا له اسم البلاغة الجديدة، وسنورده لاحقا. فبين هذ العريف والتعريفات الأخرى تداخل في الجوهر واختلاف في التفاصيل. وأستبعدُ، من باب أولى وأحرى، المفهوم النقدي الأدبي لكلمة "حوار" مما يتصل بالتناص، أو حوار النصوص.
وبلاغة الحوار هي العلم الذي يتناول مكونات الحوار وأخلاقياته وآليات اشتغاله. وهي تنتمي إلى النظرية العامة للإقناع التي هي فرع من البلاغة العامة، (أو البلاغة، دون زيادة)، في مقابل فرع التخييل. وقد اقترحنا تصورا لـ"دائرة الحوار" في كتابنا المعنون بهذا الاسم مشفوعة بالتعليق التالي:
"دائرة الحوار هي… دائرةُ الممكن، دائرة ما يتطلب إنجازه أخذ "الآخر" بعين الاعتبار. متعاونا (مشاورات) أو منازعا (مناظرات)، أو منقادا دون روية (استهواء). وخارج هذه الدائرة توجد دائرة المطلق (أو المطلقات). لكل صيغة من صيغ الحوار، أو جنس من أجناسه امتداد: ففي امتداد التشاور توجد المعرفة في بعدها التخزيني، أي نشاط الذاكرة بشكل أساسي، وفي امتداد المناظرة يوجد التأمل والاعتبار والمعرفة المنطقية والبرهانية، أي نشاط العقل بصفة أساسية. وفي امتداد الاستهواء يوجد العنف السيكولوجي والرمزي، أي نشاط الوجدان بشكل أساسي".
وهكذا فإن الحوار يجري داخل دائرة الممكن، ولكنه قد ينزلق خارج الدائرة حين يصادر أحد الطرفين حق الآخر في المعرفة أو النظر أو الاعتبار (حيث يستغفله أو يستخف به). وقد يتم الانزلاق من مقام إلى مقام فيختل الحوار أو يضطرب، كما يحدث حين القفز من المشاورة إلى المنازعة، أو من المناظرة إلى الاستهواء.
نحيل الراغب في مزيد بيان على المرجع المذكور. ونخصص هذه المناسبة لمعالجة ثلاث نقط وهي: 1) مجال الحوار، و2) الفرق بين الحوار والحجاج ذي التوجه المنطقي (أو الاستهواء الحواري والحجاج المنطقي)، ثم 3) الفرق بين نقد الخطاب الحواري وإبداء الرأي (أو نهاية العلم وبداية الرأي في بلاغة الحوار). وقد بدت لي هذه القضايا ـ عند تأليف كتاب دائرة الحوار ـ بديهية، ثم تبين أن عدم وضع النقط على الحروف بصددها يعوق الفهم والتفاهم في هذا المجال.
ـ مجال الحوار: تدبير الاختلاف حول القيم
يلتقي منظرو بلاغة الإقناع من أفلاطون إلى بيرلمان في التأكيد بأن مجال التخاطب الحواري (أو الحجاج) هو مجال القيم. فهنا يتدخل الرأي وتؤثر المقامات الخطابية. وقد عُمقت هذه القناعة، حديثا، من طرف نظرية الحجاجٍ. وذلك في مسعى منها لبناء منطق غير شكلي يهتم بالإقناع في مجالات متعددة. يقول ج.مورو في مقال له بعنوان "البلاغة والجدل وأولى الضرورات:
"قال سقراط لأوطيفرون Euthephron : إذا اختلف رأينا، أنا وأنت، حول العدد (عدد الأشياء الموجودة في سلة)، أو حول الطول (طول قطعة من نسيج)، أو حول الوزن (وزن كيس من قمح)، فلن نتنازع من أجل هذا؛ ولن ندخل في نقاش؛ سيكفينا أن نعُدَ أونقيس أو نزن وسيسوى الخلاف. إن الاختلافات لا تتسع وتتسمم إلا حين لا تكون هناك إجراءات للقياس من هذا القبيل، حين تغيب المقاييس الموضوعية. وهذا هو الشأن، حسب سقراط، حين نختلف حول المصيب والمخطئ والجميل والقبيح والخيـِّر والشرير، وبكلمة واحدة : حول القيم. (Platon.Euthephron.7d)". وعليه فإذا أردنا، في مثل هذه الحالات تلافي تحول الخلاف إلى أزمة، وتلافي الحل المعتمِد على العنف فليس هناك من سبيل غيرَ الرجوع إلى نقاش عقلاني. ويبدو الجدل، باعتباره فنا للمناقشة، المنهج الملائم لحل المشاكل التطبيقية، تلك التي تُعنى بالأغراض العملية حيث تتدخل القيم"().
وما دام الحوار أو الجدل (لا فرق في هذا المستوى) لا يتصور إلا في مستمَعات (مستمعون في مكان وزمن محددين) فقد ثار الصراع منذ القديم بين الفلاسفة والبلاغيين حول هوية الميدان: طبيعة الحقيقة الممكنة، ومن هو أجدر بالوصول إليها. فأية حقيقة يقيمها الفيلسوف في هذا المجال تصبح، من غدها، موضوع خلاف يقتضي المجادلة والإقناع، أي استعمال الأدوات البلاغية المرصودة لمعالجة الرأي وما هو نسبي في إطار المقامات.
بناء عليه فإن الحوار يغطي، عندنا، كل المجال الذي يفلت من الصرامة البرهانية المعتمدة على البداهة (أي مجال القيم كما تقدم)، غير أن الحديث عن القيم يطرح إشكال النسبية والإطلاق.
فحين يقال بأن القيم هي مجال الإقناع يتبادر إلى ذهن غير المختص الاعتراض بكونية القيم الكبرى مثل الحق والخير والحرية والجمال… وهي كذلك (أي كونية) بالنسبة لكل العقلاء المندمجين في المسار الحضاري للإنسانية، بل حتى الطغاة لايتنكرون لها بصريح اللفظ. غير أن إطلاقية هذه القيم وكونيتها لا تتجاوز مستوى النظر والشعار الذي ينبغي رفعه والذود عنه على الدوام. فبمجرد ما نحاول تنزيل هذه القيم على الواقع فإنها تصبح موضوع أخذ ورد حسب المستمَعات (les auditoires) عير تدرج من المستوى التشريعي إلى المستوى العملي الحياتي. فما تراه الطبقات الفقيرة عدلا (توزيع الثروات) تراه الطبقات المتحكمة في الثروة مصادرة لحرية الكسب والمبادرة (أي ظلما لها). وليس من حل في هذه الحال غير الحوار العقلاني الذي يحتكم لترتيب الأضرار والمنافع بالنسبة للمجموعة ككل حسب موازين القوى الآنية. قد تتغير هذه الموازين لاحقا فيستأنف الحوار من أجل تراتبية جديدة حسب الأسبقيات أو الضغوط. ومع عملية الترتيب تبدأ التنازلات: يتنازل كل طرف عن جوانب لتحصيل جوانب أخرى يتنازل عنها الطرف الآخر راغبا أو مضطرا. ويتم هذا الحوار ضمن عملية تنظيم المجتمع ككل لأسبقياته حسب الإمكانيات والإكراهات.
ولذلك اعتبر بلاغيو الحجاج ترتيب القيم أهم من معرفتها وتمجيدها. قال بيرلمان: "لا شك أن تراتبيات القيم، منظورا إليها من وجهة نظر البنية الحجاجية، هي أكثر أهمية من القيم نفسها. فالواقع أن أكثر القيم مشترك بين عدد كبير من المستمَعات. وتكمن خصوصية كل مستمَع في الطريقة التي يرتب بها هذه القيم أكثر مما هي كامنة في القيم التي يقبلها)(”. والبلاغة هي العلم المؤهل لتحقيق تخاطب إيجابي في مثل هذه المقامات الملتبسة. ليس ببيان كيفية الدفاع عن الحقوق فحسب، كما كان مبتدأ أمرها عند اليونان، ولكن بكشف أساليب التضليل والمغالطة الهادفة إلى سلبها أيضا.
فمن القيم النبيلة التي تغتال بها حرية الشعوب في العصر الحديث مفهوم المواطنة. وذلك حين يختزله المستبدون في ضمير "نا". موهمين الاشتراك في السراء والضراء، والحال أنه أشبه بحصان طروادة الذي يقتحم به المستغلون قلعة المستضعفين. وهذه هي المعركة البلاغية اليوم بين الشعوب العربية وحكامها: معركة "نا"، حيث نجد الصوت العالي اليوم هو: اخرجوا من طريقنا لنواجه أعداءنا. وهذا أمر وعاه البعض وبحث عن مخرج وتجاهله البعض فوقع في الحرج.
وفي خضم الصراع العملي أفرزت المجتمعات هيئات تحكيمية انبثقت عنها مؤسسات تشريعية. تمثل هذه الهيئات الصمام الأول بين المطلق والعابر. فالتداول أو الحوار بين المشرعين ليس من أجل الوصول إلى الحقيقة المطلقة، بل من أجل ضبط الحوار الأدني (أي التطبيقي السياسي) موقتا في انتظار أن تتغير معطيات الحياة أو يختل التوازن بين المتحاورين وهذا ما يجري عادة في تجديد الدساتير والقوانين والمدونات، حيث يُلتجأ في الأخير إلى الاستفتاء، ليسلم الأمر للأغلبية، وليس للحقيقة المطلقة التي لا وجود لها إلا في أذهان الطغاة. وقد قضى المغاربة نصف قرن من الصراع من أجل حق الحوار حول الدستور.
وكما يستعمل المتداولون في شأن القوانين والدساتير كل كفاءاتهم الإقناعية في التقريب بين آرائهم، مؤولين وموجهين للمرجعيات المعتمدة لديهم سيقوم المطبقون في المستوى العملي (السياسي) بجهد مماثل في تأويل النصوص التشريعية وتوجيهها طالبين التسليم والقبول من محاوريهم في المقامات الخاصة، ثم متتبعيهم في المقام التحكيمي، أي المصوتون.
ان هذه العملية التحويلية الإقناعية (من المطلق إلى النسبي) عملية معقدة يلتبس فيها الفكر باللغة والحقيقة بالخير. ورفض هذا المسلسل أو التحايل عليه طريق معبد نحو العنف المادي.
ـ الاستهواء الحواري والحجاج المنطقي
قد يؤدي حديثنا عن الاستهواء في الخطاب الحواري الإقناعي إلى الارتياب، خاصة إذا ما وقف نظر المتلقي عند النظرية الحجاجية الفلسفية المدعوة "البلاغة جديدة" التي نستفيد منها إلى أقصى الحدود، ولذلك لزم توضيح المقصود منه ووجه العناية به.
لعل القارئ لا يجد صعوبة في فهم المقصود عامة من الاستشارة والمناظرة؛ فلا مانع من الربط ـ موقتا ـ بين ما يلوح من مفهوميهما هنا وبين الخطابة الاستشارية والقضائية (الاحتكامية) عند أرسطو. كما أنه لا مانع من انصراف الذهن مؤقتا إلى مفهوم المناظرة في التراث العربي وعلاقتها بالجدل، لا مانع من كل ذلك ما لم يفكر في المطابقة بين هذا وذاك، وإلا صارت تلك المُلابِسات (بالكسر) عائقاً للفهم. فنحن نهتم بالانزلاقات في الخطاب السياسي أساسا.
لقد حاولنا، بعد عمل تطبيقي موسع على النص الخطابي الحديث (في دائرة الحوار)، أن نجد كلمة تستوعب ما لا يستوعبُه الاستعلامُ والتشاور، من جهة، والمنازعةُ الحِجاجية المحتكمة إلى العقل والمسلماتِ المشتركة للطرفين، من جهة أخرى، فكاد ذلك يتعذر. وترجع هذه الصعوبة إلى أن مكونات المنطقة التي لا يُغطيها التشاورُ والتناظر مختلفةٌ في طبيعتها، متباينة في قيمتها الوجدانية والأخلاقية؛ الاستمالة والمشاحنة والمغالطة (يستقر طرف منها داخل دائرة الحوار ويمتد طرف آخر خارج الدائرة). وبعد تأمل طويل استقر رأينا على كلمة "استهواء" من الهوى أي الميل النفسي، خيرا أو شرا، دون احتكام إلى العقل والعرف وما هو مشترك. والمجال الأثير للاستهواء هو الإشهار؛ إشهار البضائع والمواقف والأفكار…الخ
وبهذا الامتداد الاستهوائي ينزاح تصورنا للحوار عن نظرية الحجاج الفلسفية ذات الهم المنطقي (كما نبين في الفقرة الموالية)، مع اعترافنا بعظيم الفائدة التي تقدمها لنا هذه النظرية سواء في التأطير النظري أو في وصف التقنيات الحجاجية وتصنيها؛ إننا معها وضدها في الوقت نفسه.
لقد ميز بيرلمان وأولبريشت تيتيكا فعلا بين مستويين من التسليم (أو القبول بالرأي المعروض): التسليم الآتي من الخارج حسب المقام وتترجمه كلمةpersuasion ، والتسليم المنبعث من داخل النفس باطمئنان وتترجمه كلمة conviction . وهذا النوع الثاني هو الذي يَنتج عن مخاطبة مستمع كوني حيث تلتقي أفهام العقلاء. وهو موضوع الحجاج بمعناه الحق في نظرهما؛ ففي إطاره تتحقق الحرية، (أي الإفلات من الإكراهات الخارجية). ونص كلامهما في ذلك: "إن الحجاج غير الملزم Non contraignant وغير الاعتباطي هو وحده القمين بأن يحقق الحرية الإنسانية من حيث هي ممارسة لاختيار عاقل. فأن تكون الحرية تسليما اضطراريا [إلزاميا] بنظام طبيعي معطى سلفا معناه انعدام كل إمكان للاختيار. فإذا لم تكن ممارسة الحرية منبنية على العقل فإن كل اختيار يكون ضربا من الخور، ويستحيل إلى حكم اعتباطي يسبح في فراغ فكري"
غير أن صواب هذا النظر الفلسفي (وهو يدمج العلمي والخلقي) لا يمكن أن يشغل البلاغي (والبلاغي الواصف على وجه التحديد) عن واقع إنتاج الخطاب وأحوال متلقيه، ويظل الحوار النقدي الذي يجري في المقام الكوني حيث تلتقي العقول غاية يسعى البلاغي نحوها دون أن يرتهن بها وجودا وعدما. فقديما لاحظ أرسطو أن الحاجة إلى الأسلوب نابعة من أن عامة الناس "يتأثرون بمشاعرهم اكثر مما يتاثرون بعقولهم".
ويرجع هذا التقارب والتباعد إلى الالتقاء في الموضوع والغرض(الإقناع)، والاختلاف في مجال التطبيق. فمن حيث المنطلق نلتقي في استلهام خطابة أرسطو. فقد قادت طبيعة الموضوع هؤلاء المناطقة ـ كما قادتنا النصوص الخطابية المختلفة ـ إلى رحاب البلاغة الأرسطية. يقول بيرلمان في كتابه: حقل الحجاج: "موضوع نظرية الحجاج هو دراسة التقنيات الخطابية الهادفة إلى حث النفوس على التسليم بالأطروحات المعروضة عليها، أو تقوية ذلك التسليم. كما تفحص أيضا الشروط التي تسمح بانطلاق الحجاج ونموه، وكذا الآثار المترتبة عنه)(.
فهذا التعريف يستلهم التعريف الأرسطي المشهور الذي نلتقي حوله. وهو، حسب الترجمة العربية القديمة: "الريطورية قوة تتكلف الإقناع الممكن في كل واحد من الأمور المفردة"()". غير أننا في الوقت الذي نسعى فيه نحن إلى استيعاب كل الخطابات الشفوية والكتابية ومراعاة خصوصياتها، وكذا الاهتمام أكثر ب"الكوارث" الخطابية، فإن البلاغة الحجاجية تقلص موضوعها بحسب الهموم المنطقية، وهذا ما صرح به بيرلمان رابطا لاحق كلامه بسابقه:
"إن نظريةً للحجاج من هذا القبيل توجه الذهن، حين النظر إلى موضوعها، إلى البلاغة القديمة، ولكنني إذ أعالجها من زاوية هموم عالم المنطق سأضطر لتقليص مباحثي من جانب وتوسيعها من جانب آخر".
فمن الجوانب التي تتضمن توسيعا وتضييقا في الوقت نفسه المتن (أو المدونة)، حيث يتم إهمالُ خصوصيات الخطاب الشفوي واستيعاب الخطاب المكتوب اقتصارًا على الحجج المقنعة فيهما معا الموصلة إلى الإذعان. ويكمن وراء هذا الإجراء عدم إيلاء أهمية كبيرة للمحافل الخطابية في مقابل الامتداد إلى المحاججة الخاصة؛ مع شخص واحد أو حتى مع الذات؛ يتداول المرء مع نفسه حول ال"مع" و "الضد" لاختبار مدى قيمة أطروحة وصلابة حجة.
وبهذا التوجه تقترب نظرية الحجاج الحديثة من مبحث الجدل أكثر من قربها من مبحث البلاغة ببعديها الشعري والتداولي، وذلك برغم اختيار الانتماء لما سمي بلاغة جديدة. يقول:"من هنا احتلت الطوبيقات الأرسطية (باعتبارها صياغة للجدل السوقراطي القائم على السؤال الجواب والنقد والدحض) حيزا من النظرية الفلسفية للحجاج. فمن الملاحظ، أن فن الحجاج (كما نما وتطور مع جورجياس، وبروطاغوراس وزينون) يهتم دائما بإحداث التسليم بأطروحات توجد في حالة تعارض . فيُقوي هذا التسليم أو يُنقص من قوته بواسطة حجج متنوعة، إذ يعتمد التأثير على الشخص في كليته ليدفعه نحو الفعل، "ففي الحجاج لا يفرق بين الإرادة والفعل، ولا بين النظرية والتطبيق".
من البين إذن أننا نلتقي مع البلاغة الجديدة في توسعها نحو المقامات المختلفة، ونبتعد عنها فيما تقلصه، فنعتني بالخطاب الشفوي سواء في المحافل الخطابية من النمط القديم أو المنقولة على الشاشات. ومن هنا يصبح لدينا امتداد ثالث نحو الصورة باعتبارها عنصرا أساسيا في بلاغة الحوار، وبالموسيقى أيضا كما هو الحال في الخطاب الإشهاري. وعموما فإن الحديث عن الاستهواء يستعيد بعدا غائبا عن "البلاغة الجديدة" وعن علم المناظرة الإسلامي على حد سواء، وهو البعد التخييلي الشعري. وهو استرجاع طبيعي بحسب اختلاف الاستراتيجيات الموجهة؛ ففي المناظرة والحجاج يحضر التشريع والمنطق ويغيب التخييل، والتخييل عندنا قسيم التداول في امتلاك أرض البلاغة. فهما يشتركان في ملكية أرض المحتمل كما بينا في مقال سابق بعنوان: البلاغة العامة والبلاغة المعممة
وبقدر ما تجذب الحجاجية المنطقية نحو الجدل بقدر تستحضر بلاغة الحوار الآفاق السفسطائية مؤمنة بأن الوقاية لا تغني دائما عن العلاج: لا يكفي أن تعلم الناس كيف يتحاورون، بل لا بد أن تبين العقاب الذي ينتظرهم حين يخطئون.
ـ نهاية العلم وبداية الرأي في بلاغة الحوار
من القضايا التي تعتبر بديهية في المجال التداولي الحجاجي التباس الأداة بالموضوع، فهذا أمر معروف عند المنظرين والمؤرخين على حد سواء. ويرجع ذلك، في الأساس، إلى التباس اللغة بالفكر، والتباس الخطاب بالقصد والفعل. ولا يتسع المقام هنا للخوض في إشكال اللوغوس اليوناني والمنطق (من النطق) العربي، فضلا عن "الكلام" ملفوظا وعلما للحجاج (علم الكلام)، كما لا يتسع للحديث عن تغير التراكيب حسب المقاصد كما هو معلوم في مبحث "علم المعاني" . فقد تجاوز المنظرون هذا الإشكال بوضع الحدود بين الحقول. ولذلك فقد كان يبدو بديهيا أثناء (تاليف كتاب دائرة الحوار)، أن القراء المستهدفين سيميزون تلقائيا بين التحليل البلاغي العلمي والموقف السياسي، غير أنني فوجئت بوجود من التبست عليه هذه الحدود، أو فرضت عليه الظروف تجاهلها تمثلا بالحكمة: "الباب اللي يجيك منو الريح سدو واستريح"، فوجب البيان().
صور التعرض لنقد الخطاب التداولي

صور التعرض لـِ "نقد الخطاب الحجاجي" متعددة يمكن إجمالها في منحيين كبيرين: التعرض من الداخل والتعرض من الخارج،:
أ – ب ـ التعرض من الداخل (النقد الوجيه)
أي من داخل منطق الخطاب، وهذا يكون من زاويتين: أولاهما: مناقشة المستندات النظرية، والثانية: مناقشة الإجراءات التطبيقية. وهذا هو الطريق القويم الذي لا اعتراض عليه، ومن أجل التفاهم فيه كانت الاجتهادات التنظيرية في مجال البلاغة والإقناع. فينبغي، في نظري، أن يتوجه النقد إلى صريح دعوى الخطاب، فالذي يقدم دعوى علمية أو فرضية واضحة، أو يشغل آليات معروفة في منطق الجدل والمناظر والنظرية الحجاجية عامة يُناقش من خلال هذه النظرية؛ بدحضها أو التشكيك في ملاءمتها، أو بيان الخلل في تطبيقها، وما سوى ذلك هروب. ومن المؤسف أن هذا النوع من النقد غائب، ولذلك لن نطيل الحديث فيه، إلى حين ظهوره.
ب ـ التعرض من الخارج (التعرض غير الوجيه)
وهو الذي يشغنا هنا؛ لأنه يشكل عائقا علميا. ونقصد به التعرض باعتبارات من خارج منطقخبير بها، العالم بقوانينها. وإذا ما لجأ أحد الأطراف إلى استعمال العنف وعُوقب من طرف الحَكم فهو المسؤول عما أصابه.
وعموما فليس من المعقول الدخول في جوهر الموقف المعبر عنه (أي موضوع الخلاف) مع مَن لا يحترم المبادئ الأولية لتخاطب العقلاء. لا بد من ضبط قواعد اللعبة أولا. والطغاة وحدهم من يفضل اللعب بدون قواعد.
ومن الملائم جدا ـ ولغرض التقريب مع شيء من التسامح ـ تشبيه قضية الحوار بعملية التقاضي، بل الحوار تقاضٍ فعْلاً، كما نص أرسطو. فمن المعروف أن القَضاءَ الذي يحترم نفسه يرفض النظر في الدعوى التي تشوب مسطرتها عيوبٌ، فيُعتبر ذلك رفضا من حيث الشكل، أو لِعيْبٍ مسطري.
فاحترام "الشكل" شرط مقدم للنظر في المضمون. إن استعمال العنف الرمزي من تهافت وسفسطة (فضلا عن الكذب والإشاعة والقذف والتهديد الصريح والمبطن) يوازي استعمال العنف الجسدي والمعنوي في تكوين ملف الاتهام. فلا فرق بين أن يُكرهَ "الظنين" على تحمُّل تهمة ملفقة عن طريق التعذيب البدني والنفسي، وبين العنف المنطقي المضلل/المعنت الهادف إلى الإكراه لإجبار الآخر المخالف على قبول أفكار أو مواقف زائفة. بل يمكن الاستئناس بما هو أكثر من ذلك بما نراه في المحاكمات الجنائية حيث يعترض المحامي والاتهام معا على الأسئلة الاستدراجية الهادفة إلى الإيقاع بأحد المتقاضين أو الشهود، وللقاضي أن يقبل الاعتراض وله أن يرفضه.
دبير علاقات الاختلاف وحكامة تدويب الازمات
كثيرة هي النظريات التي تعد الاختلاف ظاهرة صحية في الحياة المجتمعية. وفعلا فإن طبيعة تكون المجتمع، وتشعب مناحي المعرفة التي يمتح منها الأفراد توجهاتهم السياسية والثقافية والتربوية والاقتصادية، كل ذلك يستتبع مجموعة من القضايا الخلافية التي تحصل بين الأحزاب بقدر ما تحصل بين الأفراد أو بين الفرد والجماعة التي ينتمي إليها أو يجد نفسه متورطا فيها. ومن هنا تصدر إشكالية معروفة تتمثل في كيفية تدبير علاقات الاختلاف في سياق وضعية يطبعها اختلاف العلاقات ؟ ! كيف يمكن إذن، لأطراف متعارضة في التصور والتمثل ونظام الفكر أن تتواصل وتناقش وتتفاهم؟
سنحاول الإجابة عن هذه الأسئلة انطلاقا من الدرس الفلسفي والسوسيوبنائي الذي نستخلصه من بعض المفاهيم الأساسية التي يستعملها "هابرماس" في كتاباته المختلفة. ويشفع لهذا الاختيار نزوعنا إلى تعرف الفكر الهابرماسي في بعض جوانبه الحداثية والديمقراطية. وذلك من أجل استثماره المفترض في تدبير ما يحدث بيننا من اختلافات سياسية وثقافية ودينية.
1) هابرماس : الولادة والفكر
ولد يورغن هابرماس (Jûrgen Habermas) في مدينة دوسلدورف بألمانيا عام 1929. درس الفلسفة وعلم النفس والأدب والاقتصاد والتاريخ في غوتينجن وزيوريخ وبون وهو في سن العشرين. وفي سنة 1954 حصل على شهادة الدكتوراه في موضوع حول الفيلسوف الألماني شلينغ shelling ، ثم أصبح أستاذا مساعدا لأدورنو Adorno وهو لايزال شابا. وفي سنة 1964 أصبح أستاذا للفلسفة وعلم الاجتماع بجامعة فرنكفورت التي بقي فيها كأستاذ شرفي بعد تقاعده سنة 1994.
قرأ هابرماس لفلاسفة ومفكرين عدة أمثال : كانء وهيجل، وماركس، وفيبر، ودوركايم. ويعد حاليا الوريث الشرعي لمدرسة فرانكفورت أو مدرسة النقد الجديد. لقد تشرب أفكارها وتأثر بروادها كأدورنو وهوركهايمر وماركوز؛ كما واجه هابرماس هانس جورج غادامير، وألبرت، وأرندت، وبوبر.
إن المرحلة التاريخية التي عاشها هابرماس حبلى بالمخاضات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بصفة عامة. ولذلك نجده ذا ثقافة واسعة واطلاع عميق على مختلف القضايا التي تهم الإنسان والفرد داخل المجتمع. وذلك ما يجعلنا في هذا المقال ننطلق من تصوره للتفاعل والتواصل والنقاش والتفاهم باعتبارها أفعالا وصيرورات مجتمعية تفضي إلى تدبير علاقات الاختلاف بين الأفراد والجماعات.
2) كيف ندبر علاقاتنا؟
إن الحديث عن تدبير العلاقات بين الفرد والجماعة يثير منهجيا بعض التساؤلات حول مفاهيم من قبيل العلاقة والتدبير والتفاعل والتواصل والتفاهم والديمقراطية المداولاتية والتوافق ،إلخ...
3) حول مفهوم التفاهـم
<< التفاهم هو فسح المجال لعقل الآخر ليمتزج بعقلنا ، ومزج عقلنا بعقله ؛ فامتزاج عالم الأنا بعالم الآخر هو الكفيل بتحقيق التفاهم الحقيقي>>1 والتفاهم لا يتأتى إلا بعد الفهم الذي هو ، بالنسبة إلى الفرد ، قدرة يكتسبها خلال وبواسطة التفاعل مع الجماعة؛ وتعد تلك القدرة بمثابة تقنية أولية ضرورية لتحقيق التواصل وتدبير علاقات الاختلاف.
و من بين المعارف السبع التي يعتبرها إدغار موران ( Edgar Morin ) ضرورية لتربية المستقبل نجد تعلم الفهم أو التفاهم يقول :
<< لقد أصبحت مشكلة الفهم أو التفاهم مشكلة أساسية بالنسبة إلى الإنسان ؛ وعليه يجب أن يكون هذا المفهوم المشكلة ضمن غايات تربية المستقبل وأهدافها . إن التربية من أجل تدريس الرياضيات شيء ، والتربية من أجل تدريس فهم الإنسان والتفاهم بين الناس شيء آخر؛ إن الوظيفة الروحية للتربية هي تدريس التفاهم بين الأشخاص إن على مستوى العلاقات بين الأقرباء أو على مستوى العلاقات بين الناس والدول>> .
ويميز موران بين فهم أو تفاهم موضوعي ثقافي براني قابل للقياس ، وفهم أو تفاهم جواني بينذاتي(intersubjective ) ؛ والعلاقة بين الموضوع والذات هي علاقة تلازم ؛ إذ أن الأنا (l’ego) لا تدرك الآخر أو الغير (l’alter ) إلا كذات أخرى تتماهى فيها وتتقمصها في الوقت الذي تجعل فيه هذا الآخر أو الغير يتقمصها. وهكذا تصبح الأنا-الآخر هي الآخر-الأنا (ego-alter =alter-ego) >>
وعوائق التفاهم - يضيف موران -هي الضجيج وتعدد المعاني(polysémie ) ، وتجاهل طقوس وعادات الآخرين ، وعدم فهم القيم التي تتضمنها ثقافاتهم ، وكذلك عدم فهم أوامر ونواهي ثقافة ما، وتجاهل الاختلاف بيننا في رؤية العالم و إدراكه والتعامل مع ظواهره ؛ ناهيك عن الأنانية والتعصب والشوفينية والعنف وتملكنا من طرف فكرة أو عقيدة نجزم بعدم وجود أية حقيقة خارجهما.
ومن ضروريات التفاهم والتربية ، العمل على استدخال مبدإ التسامح الذي يفترض تحمل مرارة الأفكار المعارضة. إن موران ( E , Morin ) يميز بين أربع درجات في الشفافية : أ) احترام حق الآخر في الكلام ولو بدا لنا سخيفا ؛ ب) التغذي بالآراء المضادة من أجل النفاذ إلى عمق الديمقراطية؛ ج) الاقتناع بأن عكس الفكرة العميقة هو فكرة عميقة أخرى، فالحقيقة كامنة في الفكرة المضادة لفكرتنا ، والتي يجب احترامها كما يتصور نيل بوهر(Niels Bohr ) ؛ د) وعي الأساطير والايديولوجيات والأفكار والانحرافات التي تسيطر على الإنسان . إن الفهم والتفاهم هما غاية ووسيلة التواصل البشري ؛ وعليه فإن مهمة تربية المستقبل هي التربية على الفهم والتفاهم وإصلاح العقليات2.
و يربط لابوردوري ( René Laborderie ) بين التواصل والفهم ربط لزوم ومحايثة ؛ فغاية التواصل هي فعل الفهم ثم فعل التعلم ، لأنه لا يمكن أن نستفيد شيئا إذا نحن بدأنا التعلم دون الفهم . إن التواصل ينبغي أن يستهدف كفاية تعلم الفهم وتعلم التعلم3(comprentissage) .
أما هابرماس فيرى أن التفاهم عند هاربرماس هو اتفاق تتوصل إليه مجموعة من المشاركين في التفاعل. وهذا الاتفاق يقاس بقابلية النقد والمناقشة .وكل نشاط تواصلي فعال في حاجة إلى عقل تواصلي " ينظمه ويضبط مساره "
4) العلاقـة
يعد مفهوم العلاقة من المفاهيم المحورية في علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي و مدرسة التواصل الجديد أو مدرسة بالوألطو (Palo Alto) ، التي تتبنى المقاربة النسقية .
إن العلاقات بين الأفراد و الجماعات لا يمكن إقامتها بدون تواصل ؛ ذلك << أن الفصل بين التواصل والعلاقات الإنسانية هو فصل تعسفي و اصطناعي ، إذ إنهما لا يمثلان سوى شيء واحد أو وجهي العملة الواحدة على مستوى الوجود و معطيات العيش >>5 (Gérard Naef).
5) اختلاف العلاقة أم علاقة الاختلاف ؟
تقوم العلاقات إما على المساواة وإما على التمييز والمفاضلة ؛ ففي الحالة الأولى تكون العلاقة تماثلية (relation symétrique)، ولا سبيل للحديث عن تفوق فرد على آخر .أما في الحالة الثانية ، فنجد الأطراف تتكامل بينها بهدف تشكيل صورة (Gestalt) من نوع مخالف . إنه تفاعل تكاملي نجد فيه وضعيتين مختلفتين : وضعية أحد الشركاء في درجة متفوقة و أولية ( one up) ؛ ووضعية الآخر في درجة ثانية ( one down) . والعلاقات بين الأفراد ينبغي أن تكون قائمة على ديمقراطية مداولاتية وتواصل تعاوني لا نازل ولا مجرد صاعد ،ديمقراطية تتوافر فيها شروط العدل والإنصاف والمساواة وتكافؤ الفرص . إضافة إلى النوعين المذكورين يقترح البعض نوعا ثالثا من العلاقة هو العلاقة الميتاتكاملية (métacomplémentaire ) ؛ وهي علاقة يضطر فيها أحد الأطراف إلى التبعية للطرف الآخر 6 .
هذه إذن بعض أنواع العلاقات أو ما سميناه باختلاف العلاقات ؛ أما بالنسبة لعلاقة الاختلاف ، فإننا نعني بها كل علاقة مبنية على الحوار والنقاش والتفاوض ؛ فبموجبها يعطى كل فرد في المجتمع حقه في أن يختلف مع باقي الأفراد في الرأي ، و أن يعبر عن كل أو بعض ما يعتمل في داخله بحرية كاملة لا تتجاوز ديونطولوجية الحوار والنقاش ، وكذلك الفهم والتفاهم .إن علاقة الاختلاف مقترنة بتواصل تحتفظ فيه الذوات باستقلاليتها دون أن تميل إلى الغلبة والسيطرة . إن علاقة الاختلاف مبنية على التواصل باعتباره صراعا وديا يؤججه الحب والثقة والصراحة . وهو ليس ذلك الحب الرومانسي الشعري ولكنه نوع من الاستفهام المتبادل الذي تتخلله صراعات إيجابية ( Karl Japers ) .
6) مفهوم التفاعل
إن التواصل تفاعل من أجل التفاهم ، فكل نشاط تواصلي يتجه نحو التفاهم، والتفاهم عند هاربرماس Habermas هو اتفاق تتوصل إليه مجموعة من المشاركين في التفاعل. وهذا الاتفاق يقاس بقابلية النقد والمناقشة .وكل نشاط تواصلي فعال في حاجة إلى عقل تواصلي " ينظمه ويضبط مساره "10
و يستعمل مفهوم التفاعل بكثرة في علم النفس الاجتماعي، وهو تخصص يهتم بسلوك الفرد في علاقته بالمجتمع. ويعد مفهوم التفاعل عنصرا أساسيا لدراسة أشكال التواصل بين أعضاء الجماعة، والأدوار التي يقوم بها الفرد. إن التفاعل تبادل قبل كل شيء، ويحدث " عندما يؤثر طرف فاعل وليكن A على طرف منفعل وليكن B والعكس"7 ، ذلك أن الطرف المنفعل يتحول في عملية التفاعل إلى منبه و فاعل، والطرف الفاعل إلى منفعل. ويسمح هذا التفاعل داخل الجماعة بالتعرف على آراء أفرادها، وتقابلها. كما يؤدي إلى تلاقح وعملية توليد تكوينية تتمثل في انبثاق أفكار وآراء جديدة تسمح باتخاذ قرارات ومواقف إيجابية تؤثر في حياة الجماعة .
7) التفاعل الاجتماعي والتداولية الكونية
من المحاور الرئيسة في نظرية اللغة عند هابرماس نجد " التداولية الكونية ( pragmatique universelle )، إنه ينطلق من افتراض وجود تعددية تمثيلية ، أي وجود عدد كبير من الأفراد الذين ينخرطون في نقاش وتفاعل؛ ويرتكز هذا التفاعل البينفردي على جدلية مصقولة ( dialectique rodée) للصراع المعرفي الفردي الذي ينتج عن صراعات سوسيومعرفية بين –فردية Inter individuels يولدها الإحساس بالانتماء إلى الجماعة.
ولكن إذا أردنا من الفرد أن يحس بالانتماء إلى الجماعة. (الجماعات المنتمية) فلابد من أن نوفر له شروط هذا الإحساس في إطار ما يسميه البعض بقواعد العدل أو الإنصاف les règles de l’équité (foa et foa) ؛ ويتمثل ذلك في تنويره أي جعله قادرا على استعمال فهمه وعقله دون حاجة إلى قيادة غيره. لابد من تحفيز هذا الفرد الذي نريد جعله جزءا من كل ، يتشرب قيمه ويتوافق معه دون أن يبقى مجرد متكيف مع بعض الوضعيات الاجتماعية التي تنم عن امتلاكه لكفايات تواصلية واستراتيجية لكنها في الآن نفسه تفقده خاصية التأثير وتجعله يفقد أحيانا خصوصياته كما يقول هيدجر.8
إن السؤال الفلسفي الأكثر نفعا في رأينا هو السؤال الذي يلامس وجودنا كأشخاص ذلك إن التأمل والتفكير في علاقتنا بالزمان والمكان، وما يحركهما من تدفقات بشرية ومعرفية، مادية ومعنوية، غالبا ما يخلقان لدى الفرد الواعي والمثقف سيولة في التعلم وتناسلا في الأفكار والأسئلة التي ترتبط بوضعيته داخل المجتمع (son statut dans la société). ولربما يعد هذا أحد الأسئلة التي يحللها هابرماس. إن الجهد والرغبة اللذين يولدهما الإحساس بالانتماء إلى الجماعة يجعلان كل فرد يبحث عن ذاته داخل مجتمعه، ويطور فكره، وينمي كفاياته بواسطة قناة هي اللغة الشفوية التي تكون أكثر نجاعة وحميمية في اللقاءات والتواصلات المباشرة، وبالتالي ينبغي أن نجعل كل فرد من أفراد المجتمع أو الجماعة قادرا على الارتقاء إلى وضع الفاعل (accéder au statut du sujet ) ، وفهم المعادلة التالية : << لكل شخص الحق في أن يقول "أنا" ، ويستعمل ضمير المتكلم في خضم التفاعلات>>. إن التداولية الكونية بالنسبة إلى هابرماس ترى أن التفريد




:مع التحية:[center][/center]

رحال بن بطوطة
بداية النشاط
بداية النشاط

المدينة : الريف
العمر : 57
المهنة : كشاف
ذكر
عدد المساهمات : 23
نقاط : 63
تاريخ التسجيل : 04/11/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: بلاغة الحوار وتفنيات تدبير الاختلاف

مُساهمة من طرف moulay في الأربعاء 18 نوفمبر - 18:10

في
ثقافة تدبير الاختلاف
[center]



تمهيد: نحو منظور سوسيولوجي نقدي لمقاربة "المسألة
الجهوية"



تبرز الأبحاث السوسيولوجية والأنثروبولوجية والتاريخية
وغيرها من البحوث الاجتماعية أن مسألة تدبير الشأن العام في كل مجتمع هي مسألة
سوسيوثقافية بالأساس –كما سنبين ذلك لاحقا- أي أنها وثيقة الارتباط بمنظومة القيم
والرموز والأعراف والعادات والتقاليد والقوانين وبنسق العلاقات والأفعال
والتبادلات المادية والرمزية السائدة في مجتمع محدد في الزمان والفضاء، أي بمضمون
ودلالات الثقافة: culture المتبناة فيه، وذلك بالمعنى السوسيوأنثروبولوجي العام لهذا
المفهوم: (الثقافة).



ويستفاد من معطيات التاريخ الاجتماعي والسياسي
والاقتصادي… لمجتمعاتنا الثالثية والعربية أنها قد عرفت أشكالا متعددة من التنظيم
والهيكلة والتوجيه لمسألة تدبير دواليبها الاجتماعية المختلفة. كما أن هذه الأشكال
قد كانت –ولا تزال ضمن حدود معينة- متباينة من حيث نمط ومستوى التنظيم والفعالية
والمشاركة وضبط علاقات المجتمع بالهياكل الاجتماعية والسياسية المسيرة والمتحكمة
في السلطة وفي توجيه وتدبير الشأن العام. ويرجع هذا التباين –كما أسلفنا- إلى
ارتباط هذه الأنماط من التنظيم بالمنظومات الثقافية، وبالهياكل الاجتماعية
والسياسية والاقتصادية القائمة في المجتمع المعني المحدد في الزمان والمكان، أي
بثقافته الموجهة لأساليب تدبيره لاختلافه وتعدده.



وهكذا فإذا أخذنا نموذج المغرب كبلد عربي ثالثي أمكننا
القول –على سبيل الإشارة والتمثيل لا الحصر- إن مفهوم "الجماعة: Commune/Collectivité"،
ومفهوم "القبيلة: Tribu"، ومفهوم "المخزن: Makhzen" تعتبر من بين أبرز
المفاهيم المفتاحية الأساسية لتحليل وفهم طبيعة النظام الاجتماعي والسياسي
والثقافي في المجتمع المغربي الحديث والمعاصر، وخاصة فيما قبل وأثناء المرحلة
الكولونيالية، بل وبعدها أيضا. فلقد كانت هذه الأطر والهياكل الاجتماعية
التنظيمية، ولا سيما في فترة ما قبل الظاهرة الاستعمارية، أطرا فاعلة، منتجة،
ومندمجة في محيطها السوسيوثقافي العام، متفاعلة ومتكاملة –ضمن شروط وحدود معينة-
مع غيرها من المؤسسات والمكونات الاجتماعية المركزية الأخرى مثل: المسجد،
والزاوية، والأسرة…الخ. غير أن التدخل الاستعماري قد عمل، كما هو معروف، على تحطيم
العديد مما كانت تتوفر عليه مجتمعاتنا الثالثية من بنيات وهياكل اقتصادية
واجتماعية وسياسية… "تقليدية"، فارضا عليها نماذج وبدائل غريبة عنها،
ومحتفظا، من هذه الأطر والهياكل التقليدية المتآكلة، والمتواجدة خارج التاريخ في
منظور الفكر الاستعماري، بما يخدم مصالحه ويتواءم مع غاياته وأهدافه الضمنية
والمعلنة، ومبررا ذلك، في الوقت ذاته، بالدور التاريخي والحضاري والإنساني المزعوم
للاستعمار والمتمثل في "رسالته التحضيرية والتحديثية" التي سوف ينجزها
في مجتمعاتنا المتخلفة حين سيساهم، كما كان يدعي، في إخراجها مما هي عليه من تأخر
تاريخي وعلمي وثقافي وتكنولوجي إلى دنيا التقدم والنماء والحداثة التي وصلتها
المجتمعات الغربية المتقدمة.



إلا أن الدولة الحديثة التي قامت في مجتمعاتنا الثالثية
والعربية والتي طرحت نفسها كبديل "وطني" وتاريخي وسياسي للاستعمار،
مؤسسة وتوجهات فكرية وحضارية…، قد أبانت، خلال عقود من الاستقلال الشكلي لهذه
المجتمعات، عن تخبطها، بل عن عجزها فيما يتعلق بتدبير تمايزات واختلافات ومشكلات
هذا الوضع الهجين الذي تعيشه حاليا، وضع المراوحة البئيسة واليائسة بين
"تقليد" فقد، بفعل عوامل وإكراهات الاستعمار والتبعية والتخارج والعولمة
الشاملة حاليا، الكثير من سماته ومقوماته "الأصيلة"، وبين "حداثة
أو تحديث" مزعومين مشوهين.



ويستخلص من الأدبيات التنموية والسياسية، وكذا من
التجارب والنماذج والبرامج والاستراتيجيات وخطط التنمية الاجتماعية المعتمدة في
بلدان العالم الثالث أن كل مجتمع قد حاول إدارة "تنميته أو مشكلات
تخلفه" بشكل ظل مرتهنا، على العموم، بالشروط الخاصة، بثقافته، وطبيعة تركيبته
الاجتماعية والسياسية، وإمكاناته المادية والبشرية، وأيضا بنمط علاقاته وتوجهاته
سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي. هذا مع العلم بأن القاسم المشترك
الذي يظل حاضرا بين هذه المجتمعات هو اندراجها في إطار أوضاع التخلف والتهميش التي
ترتبط بشروطها ومقوماتها الذاتية، كما ترتبط بالسياسات والسيناريوهات الدولية
لتقسيم وتحديد أشكال النفوذ والهيمنة والمكانة على المستوى الكوني العام. ولنستحضر
الآن شروط، وإكراهات، وتوجهات العولمة.



وإذا كنا لا نرمي من وراء هذا العرض إلى مقاربة كل
القضايا والمفاهيم الآنفة المتعلقة بأوضاع مجتمعاتنا الثالثية: ماضيا، وحاضرا،
وتوجهات مستقبلية، مما لا ينسجم مع محدودية هذه المساهمة وظرفيتها، فإننا سنركز
هنا على محاولة مقاربة بعض مفاهيم ومكونات الخطاب التنموي المعاصر في مجتمعاتنا
هذه، والذي تراهن أهدافه ومقترحاته على إخراج هذه المجتمعات مما عليه من تخلف شامل
ومعقد إلى فضاءات التجديد، والتجدد، والتنمية، والحداثة، ونقصد بذلك مفهوم
"الجهوية: Régionalisme" كسياسة تدبيرية وتشاركية وعقلانية وديمقراطية ولا مركزية
لإدارة الشأن العام، وكذلك ما يرتبط بهذه السياسة مما نقترح تسميته
بـ"المسألة الجهوية: Question Régionale/Régionaliste" ونعني بذلك ما تثيره مفاهيم ومكونات الجهة، والجهوية،
والجماعات المحلية، والتنمية الجهوية… من قضايا وتساؤلات ومشكلات فكرية واجتماعية
واقتصادية وسياسية متعددة الأبعاد والدلالات، وذلك على اعتبار "الجهوية"
كسياسة وتوجهات، وكبناء تنظيمي، ليست بمثابة هيكلة مستقرة أو هامدة وإنما هي
سيرورة ديناميكية من التنظيم والبناء وتفاعل المصالح والرهانات والتفاعلات… وطنيا
وجهويا بل وحتى دوليا كذلك، ولذا فإن الجهوية تظل، بفعل هذه الدينامية الحية،
متفاعلة مع شروطها التاريخية، وبالتالي تظل مسألة فرعية ضمن ما يعرف بـ"المسألة
الاجتماعية:Question Sociale" في مدلولها السوسيولوجي الشمولي.



وتأسيسا على ما سبق، فإن مقاربة هذه "المسألة
الجهوية"، بما هي مسألة متعددة الأبعاد والجوانب، تحتاج إلى تدخل اختصاصات
ومنظورات متعددة ومتكاملة في الآن ذاته أيضا. ولعل المنظور السوسيولوجي –الذي
سنستأنس به في هذه المساهمة لاعتبارات محض منهجية- نظرا لما يتسم به من شمولية
وانفتاح في الرؤية والتحليل فإنه يبدو، من الناحية المنهجية، مناسبا للاقتراب من
هذه المسألة المبحوثة. مع العلم بأن المنظورات والمقاربات الأخرى تظل، بالنسبة
لهذا المقترب السوسيولوجي، متكاملة معه ومثرية له باستمرار. كما يفترض في هذا
المقترب ذاته أن يشكل مدخلا أساسيا ومقدمة ضرورية –في تقديرنا- لمختلف المقاربات
التي يمكن أن تتناول "الجهوية" تناولات تفصيلية مركزة على أبعادها
السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو القانونية أو الإدارية… الخ. وتلك خاصية
منهجية معروفة ومميزة للتحليل السوسيولوجي –ولا سيما في مستواه الماكروسوسيولوجي
العام- إذ يسعى إلى أن يحقق تموضعا منهجيا دقيقا بتركيزه على نقطة تقاطع مختلف
المقاربات التي تعتمدها العلوم الاجتماعية في معالجتها للأبعاد والجوانب المذكورة.
مع التنبيه إلى أن هذه الإشكالية المنهجية تتميز بكونها ذات طابع جدالي منتج
باستمرار للعديد من المشكلات والتساؤلات المعرفية، والطروحات النقدية العميقة.
ولذا فنحن لا نتبنى بشأنها أي دوغمائية ساذجة أو مغرضة. كما أن شرطيات هذا العرض
لا تسمح بمعالجتها لما يكفي من التفصيل والتوسع.



هكذا إذن، وانطلاقا من موجهات هذا التمهيد، ورغبة منا في
إنجاز ملامسة مركزة لأهم جوانب المسألة المبحوثة، نقترح أن نمحور هذه المداخلة حول
ما يلي:



+ المحور الأول: حول السياق السوسيوتاريخي والحضاري
الغربي لتبلور مفهوم الجهوية وثقافة التدبير الديمقراطي للتعدد والاختلاف.



+ المحور الثاني: أهم الأهداف الاجتماعية والتنظيمية
لسياسة "الجهوية".



+ المحور الثالث: حول أهم محددات السياق السوسيوتاريخي
لسياسة "الجهوية" بالمغرب.



+ المحور الرابع: السياسات الجهوية بالمغرب: أبرز
العوائق والمشكلات.



+ الحور الخامس: أزمة التجربة الجهوية بالمغرب: عن أهم
شروط وبدائل التجاوز والتأسيس.



يتضح من المضامين المباشرة لهذه المحاور أنها يمكن أن
تشكل مداخل هامة لطرح ومناقشة العديد من القضايا المرتبطة بـ"المسألة
الجهوية". وبالتالي فإن كل محور منها يحتاج إلى دراسة، بل دراسات معمقة. غير
أننا سنحاول هنا –للاعتبارات المنهجية الآنفة- أن نركز في مناقشة هذه المحاور على
ما هو هام، دال، ومعبر.



المحور الأول: حول السياق السوسيوتاريخي والحضاري الغربي
لتبلور مفهوم الجهوية وثقافة التدبير الديمقراطي للتعدد والاختلاف.



باستقرائنا للمعالم البارزة في هذا السياق الغربي نجد أن
"الجهوية" كآلية تدبيرية لتعزيز لا مركزية صنع القرار وتصريف مقتضياته،
ولدمقرطة تسيير وتنظيم وهيكلة اختلافات دواليب ومجالات ومكونات ومؤسسات المجتمع،
هي –بهذا المعنى العام- مفهوم حديث التبلور، وإن كانت له سوابق تاريخية أصبحت، في
مجتمع العقلنة والتنظيم والمأسسة، تقليدية متجاوزة. غير أننا، لكي ندرك دلالة هذا
المفهوم في الخطاب التنموي المعاصر، يبدو من المفيد أن نؤطره تاريخيا لنتعرف على
السياق الذي أفرزه، وأيضا على السياقات المغايرة التي نقل إليها ووظف فيها، ثم على
أهم عوائق وعواقب هذا النقل أو التوظيف، وما يطرحه كل ذلك من تفكير في شروط وآفاق
وبدائل التجاوز. وهكذا يمكن أن نذكر، فيما يخص السياق الغربي تحديدا، بالملاحظات
الآتية:



+ لقد ظهر مفهوم الجهوية –بالمعنى السابق- في إطار
المجتمعات الغربية وما عرفته، في تاريخها الحديث والمعاصر، من تحولات معرفية وسياسية
وتكنولوجية واجتماعية وحضارية متعددة مست كافة المجالات والأصعدة. وقد كان من بين
أهم ما أفرزته هذه التحولات تأسيس "دولة وطنية: Etat National" كانت
بمثابة تتويج تاريخي للمشروع -أو المد- البورجوازي الذي قادته البورجوازية الغربية
بكل فصائلها، والذي كان بمثابة البديل الاجتماعي والسياسي والفكري للنظام الإقطاعي
المتداعي، بنيات وهياكل اجتماعية وأنساقا قيمية وعقائدية..



غير أنه، في بداية تشكل هذه الدولة الوطنية، كانت قد
اهتمت بأن تكون سلطتها مركزية بالأساس. وذلك بحكم انشغالها الكبير ببلورة
"مشروع مجتمعي: Projet sociétal" وفاقي، متكامل المكونات، واضح الأهداف والمقاصد والتوجهات
الفكرية والسياسية. لذا فقد كان "البعد -أو الهم- المركزي" حاضرا في
بداية تشكل هذه الدولة الوطنية في الغرب. وذلك دون أن يلغي هذا الواقع طابعها
الديمقراطي المستنير. وللتدقيق، فإننا نتكلم هنا عن المجتمعات الغربية في مناخ
القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بشكل خاص.



ومع تسارع وتيرة التحول والتغير الاجتماعيين، وما كان
لذلك من انعكاسات على كافة الأصعدة، برزت مجموعة من القضايا والمشكلات والحاجات..
الجديدة في الغرب طرحت الجهوية كاختيار تدبيري لتمايزات المجتمع، يهتم بجميع جهاته
ومجالاته وقطاعاته الإنتاجية المتعددة. ولعل من أهم نتائج التحولات الآنفة، والتي
كانت –بشكل أو بآخر- وراء تدعيم تبني سياسة "الجهوية"، "تقسيم
العمل الاجتماعي: La division
du travail social": ومعنى ذلك أن المجتمعات الحديثة،
ونظرا لتعدد وتعقد مكوناتها: (مؤسسات، وبنيات، وعلاقات، وأنماطا معرفية
وقيمية..الخ) قد أصبحت تتطلب ما يدعى بـ: "التخصص الوظيفي: Spécialisation Fonctionnelle" بحيث
نجد أن كل فرد، وكل جماعة، أو جهة، أو قطاع، أو مؤسسة، أو مجال… يجب أن يكون له
تخصص معين مضبوط ينتظر منه أن يشتغل في إطاره داخل حدود الأهداف والوظائف المرسومة
له من طرف المجتمع العام. ويتوقع، في إطار الالتزام بمعايير ومقتضيات هذا التخصص،
أن يصبح القطاع، أو الجهة، أو المؤسسة المعنية.. أكثر إيجابية ومردودية.



+ تطور مفاهيم الديمقراطية ومبادئ تكافئ الفرص
الاجتماعية: Démocratie et égalité des chances، أفقيا: بين جهات ومناطق ومجالات المجتمع.. وعموديا: بين مختلف
أفراده وطبقاته وشرائحه وفئاته المتعددة والمتباينة المصالح والمواقع والأدوار..
ويندرج مفهوم "الجهة" بكل دلالاته وحوامله ضمن هذا السياق العام لتطور
الديمقراطية في المجتمعات الغربية. إن "الجهة"، كمكون أساسي للمجتمع،
ستصبح في ظل هذه الشروط ممتلكة لحقها في ممارسة الاختلاف والتميز في حاجاتها
وأولوياتها واهتماماتها، وفي نهج مختلف الأساليب الديمقراطية للتعبير عن مطالب
وخصوصيات هذا الاختلاف والتميز، بل ولهيكلة وتدبير هذا الاختلاف أيضا، وفق ما
تمليه عليها ظروفها الاجتماعية والاقتصادية والبشرية الخاصة.



+ تبلور المفاهيم المرتبطة بالتنظيم العقلاني للمجتمع:
"Organisation Rationnelle"، وذلك على اعتبار أن هذا التنظيم، كمفهوم جديد، يقوم على
استراتيجية بناء تنظيم المؤسسات والمجالات الاجتماعية على أساس عقلاني رشيد،
يرتكز، في سياسة إسناد المهام والوظائف والمسؤوليات –وسواء بالنسبة للأفراد أو
المؤسسات أو الجهات- على الكفاءات والخبرات الفنية والاجتماعية لا على الهويات أو
العلاقات القرابية والزبونية أو غيرها من الاعتبارات اللاعقلانية، التي ما تزال
مهيمنة بشكل كبير في مجتمعاتنا الثالثية. لقد كانت هذه "الفلسفة
التنظيمية" نقلة نوعية في المجتمع الحديث، ليس فقط على مستوى الفكر، بل على
مستوى الممارسة الاجتماعية كذلك.



+ في إطار هذه التحولات الآنفة أيضا، برز مفهوم أساسي
ألا وهو مفهوم التخطيط للتنمية: Planification في مختلف المجالات والمستويات،
وطنية كانت أو جهوية، وذلك على اعتبار أن هذا التخطيط رصد للحاجات والإمكانات..
وبلورة للاستراتيجيات التدبيرية الكفيلة بتفعيل هذه الإمكانات وتلبية هذه الحاجات.
إن هذه الشروط كلها سوف تدعم السيرورة الديمقراطية لصنع القرار، الذي سوف لن يصبح
–في إطار هذا التخطيط العقلاني المتكامل- خاضعا لرغبات أو أهواء أو مصالح محدودة
ولا عقلانية، بل سوف يتم في إطار عقلاني منظم، تشارك فيه كل الأطراف والفعاليات
والمكونات المعنية في المجتمع. في ظل هذا الفكر التخطيطي يظهر مفهوم "الجهوية"
بكل حوامله ومستتبعاته، كمحاولة لإيجاد صيغة توافقية رشيدة بين المجتمع المدني: Société civile من جهة –بكل
فعالياته ومؤسساته وجهاته..- وبين الدولة الوطنية كإطار جماعي ممثل للمجتمع العام
ولمشروعه الشمولي، الذي تكاملت، في السيرورة الحضارية لتشييده، هذه المكونات الهامة
التالية:



ـ الدولة: كإطار وفاقي وعقلاني وشرعي لتنظيم وهيكلة
العلاقات والتفاعلات الاجتماعية لكافة عناصر ومكونات المجتمع.



ـ المجتمع: في مفهومه النظري العام، أي المجال الشمولي،
المادي والرمزي، الذي ينتظم العلاقات والتفاعلات الآنفة.



ـ الأمة: كتعبير عن توجهات فكرية وثقافية وعقائدية
وحضارية معينة، والتي ترتبط بالانتماء إلى هوية محددة قد تتجاوز أحيانا حدود
الانتماء الجغرافي أو الإثني لترتبط بخصوصيات أعم وأشمل.



هكذا إذن، وفي إطار هذا السياق الغربي الموسوم بالعديد
من سمات التكامل والتوافق –ولكن ضمن حدود نسبية معروفة- تبلورت مفاهيم:
"الجهة، والجهوية، واللامركزية" كآليات تدبيرية تهدف إلى إقامة قطيعة مع
الآليات التقليدية كالعلاقات العشائرية، والقبلية، والقرابية، والزبونية...
المتسمة بالعديد من مظاهر اللاعقلانية. إلا أنه في إطار استفحال العديد من شروط ومظاهر
التبعية والتخارج في الدول النامية، وأيضا في إطار الشروط الراهنة لعولمة الاقتصاد
والثقافة ونماذج التدبير والتخطيط المختلفة، ولا سيما في إطار ما أصبح يدعى
بالنظام الكوني الجديد، قد انتقل الكثير من المفاهيم الآنفة الذكر إلى مجتمعات
العالم الثالث، وذلك للاستئناس بها في سياساتها التنموية. وقبل التطرق إلى مدى
نجاعة هذا الاستئناس، يبدو مفيدا أن نتطرق ولو باختصار، كما فعلنا آنفا، إلى
الأهداف العامة لسياسة الجهوية، أي إلى المحور الثاني من المداخلة.



المحور الثاني: أهم الأهداف الاجتماعية والتنظيمية
لسياسة الجهوية.



إن مسألة تقسيم المجتمع إلى جهات أو مناطق حسب معايير أو
اعتبارات جغرافية أو اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو إدارية معينة مسألة تختلف
باختلاف السياقات الاجتماعية المتعددة، وأيضا باختلاف العلاقة القائمة، في مجتمع
محدد في الزمان والمكان، بين دولة وطنية من جهة، ومجتمع مدني من جهة ثانية. إن
كيفية تدبير المجتمع لشأنه العام مسألة سوسيوثقافية في العمق تفسرها وتحددها
العديد من الاعتبارات الفكرية والسياسية والإيديولوجية والثقافية الخاصة، التي
تتطلب بدورها منظورات متباينة لمقاربتها وفهم أبعادها. و"الجهوية" هي
نمط من التعبير عن تصور مجتمع ما لحاجاته ومشكلاته وإمكاناته، وللكيفية التي يراها
مناسبة لتدبير هذه الأمور والتحكم فيها. إنها إذن آلية تدبيرية يفترض فيها أن
تندرج ضمن استراتيجية تخطيطية شمولية ومتكاملة ناظمة لكل الجهات، والقطاعات: مثل
الثقافة، والصحة، والصناعة، والإسكان، والتعليم والتكوين واستثمار الموارد
البشرية…الخ وذلك بكل ما يؤطر هذه الاستراتيجية من أهداف، وخلفيات، ومراهنات…



وغير خاف أن هذه السياسة الجهوية قد وقع تدعيمها في
المجتمعات المتقدمة بشكل كبير جدا. وأن الفلسفة التدبيرية والعقلانية التي يقوم
عليها تنظيم هذه المجتمعات قد ذهبت بعيدا في هذا التدعيم، وذلك إلى الحد الذي
أفسحت فيه لكل جهة، ولكل مؤسسة، بل ولكل فرد، كي يبني مشاريعه الخاصة للتعبير عن
المتطلبات والاهتمامات والخصائص المميزة لكل العناصر السالفة.



+ تهدف "الجهوية" أيضا إلى عقلنة Rationalisation العملية
التخطيطية. ذلك أن التخطيط، وخاصة في الظرفية الراهنة –وسواء تعلق الأمر بالدول
ذات التوجه الليبرالي أو تلك التي كانت تأخذ بالنظام الاشتراكي سابقا- لم يعد
تخطيطا مركزيا خاضعا لقرارات أو توجيهات ذات طابع فوقي إكراهي، وإنما أصبح يعتمد
أكثر فأكثر على دعم المشاركة أو التشارك بين كل الأطراف المعنية. إن هذا التوجه
الجديد هو الذي أصبح يدعى بالتخطيط التشاركي Planification Participative، أي ذلك التخطيط الذي يتغيى
إشراك كل الفعاليات المعنية أو المسؤولة اعتمادا على أهدافها وإمكانياتها
وخصوصياتها.. لبلورة تخطيط شمولي متكامل ومنسجم مع التوجهات الكبرى للمجتمع بشكل
عام. والجهة، بمفهومها المنوه به آنفا، تقع في عمق هذه المسألة التدبيرية الحاسمة.



+ من الأهداف الأساسية "للجهوية" كذلك دمقرطة
صنع أو اتخاذ القرار: Démocratisation de la prise
de Décision ذلك أن هذا القرار، لكي يكون ديمقراطيا، يجب
أن تشارك فيه كافة الأطراف المستهدفة لا أن يحتكر من قبل جهة واحدة. وقد أكدت
التجربة التاريخية على ضرورة إيلاء الأهمية البالغة للعديد من المعطيات والجوانب
والمكونات الاجتماعية… حينما نريد اتخاذ قرار ما بصدد مسألة معينة. وفي غياب هذه
الحيثية، فإن القرار المتخذ –حتى ولو كان محترما لبعض الآليات الديمقراطية الشكلية
في صنعه وتصريفه لن يكون متسما بما يفترض فيه من نجاعة وصلاحية وثبات نسبي بالطبع.
إن ضمان هذه الدمقرطة، ضمن سياسة جهوية ووطنية متكاملة، سيتيح الفرصة للخصوصيات
الجهوية لتبرز ولتعبر عن ذاتها وعما تتوفر عليه الجهات من إمكانات وطاقات بشرية
ومادية، وعما تطمح إلى بلوغه من أهداف ولتساهم كذلك، ضمن منظور تنموي شامل، في
مسيرة التنمية الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية العامة والمستديمة
والناظمة لاختلاف مكونات المجتمع.



إن "الجهوية"، بهذا المعنى الإيجابي، هي آلية
تدبيرية للترشيد، وأداة من أدوات التسريع بالعمل التنموي. فكيف ذلك؟ إننا حينما
نخطط على مستوى الجهة –وطبعا في إطار التوجهات الكبرى للمجتمع- سنتوفر على إمكانية
التركيز على مجالات أو قطاعات أو مشكلات جهوية محدودة ومحددة، مما يمكن من اقتصاد
الجهد وتلافي الإغراق في الحلول أو الوصفات التعميمية وغير الدقيقة. ولذا فإن
الخطة المقترحة –إذا توفرت لها الشروط المادية والمعنوية المعقولة والمناسبة-
ينتظر منها أن تكون أكثر فعالية ونجاعة.



وعلى اعتبار أن التنمية هي عملية إرادية وذاتية بالأساس،
أي قائمة على ما يسمى في الخطاب التنموي المعاصر بمبدأ الاعتماد على الذات، فإن
ذلك يصدق على الجهة نفسها، أي أن تنميتها يجب أن تستند، ضرورة، على مقوماتها
وشروطها الخاصة. غير أن ذلك لا يعني أن تستقل أو تنعزل هذه الجهة لتكون دولة داخل
دولة، أو لتدخل في صراع تناحري مع جهات أخرى، وإنما يراد باعتماد سياسة
"الجهوية" كدعامة أساسية للتنمية أن تنخرط المشاريع التنموية الجهوية في
إطار سيرورة تنموية شمولية مرتكزة على الاعتماد المتبادل بين الجهات المكونة
للمجتمع، وعلى التكامل بين الخاص والعام، بين الجهوي والوطني.



كانت هذه بعض أهم الأهداف العامة التي استهدفتها
السياسات الجهوية في المجتمعات الغربية. وللتذكير فإننا قد ركزنا هنا على القواسم
المشتركة بين هذه المجتمعات، مع التأكيد على ضرورة الوعي بما بينها من مظاهر
الاختلاف والتمايز، وذلك لاعتبارات سوسيولوجية عديدة لا مجال لتناولها نظرا لحدود
هذه المداخلة.



لننتقل الآن إلى السياق المغربي في شروطه الراهنة،
ولنتساءل: كيف تم اعتماد "الجهوية" كسياسة تدبيرية وتنموية ضمن هذه
الشروط؟ إن الجواب على هذا السؤال يتطلب بلا شك دراسات معمقة وموسعة لفهم مكونات
ومنعرجات تاريخ المغرب الحديث والمعاصر من جهة، ثم لتقويم تجربة
"الجهوية" في هذا التاريخ من جهة ثانية. لذا فإن ما سنقدمه، في المحور
الثالث من هذه المداخلة، سوف لن يتضمن سوى بعض الأفكار التي نقترح طرحها للتفكير
والتساؤل والحوار حول أهم محددات السياق السوسيوتاريخي والاقتصادي والسياسي الذي
انتظم التعامل مع "الجهوية" في المغرب، مفهوما وممارسة.



المحور الثالث: حول أهم محددات السياق السوسيوتاريخي...
لسياسة "الجهوية" بالمغرب



نريد في البداية أن نذكر بضرورة التمييز بين
"الجهوية" كما كانت متنفذة في المجتمع التقليدي بكل ما تقوم عليه من
عقلية قبلية وعشائرية ومن عقديات وأساطير وممارسات ثقافية واجتماعية مكرسة
الاختلاف بين القبائل والجهات والأعراف والإثنيات داخل المجتمع، وبين
"الجهوية" كآلية تدبيرية حديثة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. ولعل تعثر
ممارسة السياسات الجهوية في المغرب المعاصر هو الذي أدى إلى الخلط أحيانا بين الدلالتين
السالفتين للمفهوم، أو جعل بعض الخطابات، التي تتناوله بالتحليل والنقد، غالبا ما
يتم فيها النظر إلى مفهوم الجهوية بمنظور قدحي Péjoratif لا يرى في السياسات الجهوية في
المغرب أي تدبير عقلاني للاختلاف والتعدد داخل الوحدة الوطنية الشاملة كما هو
منتظر. ولعل ضعف مردودية الأداء الوظيفي لهذه السياسات قد كان بدوره وراء هذا
المنظور الانتقاصي. وفي هذا الصدد، تبدو أهمية التأكيد على المعطيات الدالة
الآتية:



+ من المهم، في هذا الإطار، أن نذكر بأنه في بداية تشكل
"الدولة الوطنية" في المغرب غداة الاستقلال –مع التحفظ على استعمال
مفهوم "الدولة الوطنية" في السياق المغربي لاعتبارات تتعلق بطبيعتها
وبآليات وسيرورة تشكلها تاريخيا- كان الاهتمام منصبا، بشكل أساسي، على القضايا
الوطنية الكبرى. وقد تطلب ذلك تصورا وتأطيرا لهذه القضايا متسما بالمركزية
والشمولية، وذلك لتلبية الحاجات الملحة والضرورية لكافة شرائح وطبقات وجهات
المجتمع ضمن منظور وطني عام. فمشكلات أساسية كالصحة، والتعليم، وبناء المؤسسات
الإدارية وغيرها… كلها مسائل لم يكن الاهتمام بها في مغرب ما بعد الاستقلال يتيح
إمكانية إعطاء الجهة ما تستحقه من عناية وتأطير، ولكن دون غياب ذلك بشكل كلي.



في إطار هذه الظرفية التاريخية الموسومة بتفاقم مخلفات
العهد الاستعماري ظل التخطيط شموليا، وكانت النزعة المركزية، على العموم، مهيمنة
على التوجهات الكبرى للسياسات التخطيطية والتنموية المتبعة من طرف الدولة. إلا أنه
يجب التنبيه إلى أن هذه المرحلة لم تخل من إنجازات لا بأس بها، وفي العديد من
المجالات. وعلى سبيل المثال، فإن من أهم هذه الإنجازات، في مجال التعليم واستثمار
الموارد البشرية –رغم العديد من السلبيات، نجد أن العديد من الأطر والكفاءات، من
موظفين ومسؤولين ومدرسين وباحثين..الخ، هم من إنتاج هذه المرحلة بالذات، أي من
أجيال الاستقلال، وإن كانت الحصيلة أقل مما نطمح إليه حاليا.



+ من الشروط التي رافقت ظهور مفهوم "الجهوية"
في المغرب بروز وعي اجتماعي جديد نتيجة لما أسفرت عنه بعض الجهود المبذولة في إطار
تعميم التعليم ومحو الأموية، رغم الصعوبات المتعددة الذاتية منها والموضوعية،
كغياب السياسة التربوية والاجتماعية المتكاملة، وثقل الإرث الاستعماري…الخ. وقد
حملت هذا الوعي الاجتماعي شرائح وفئات جديدة كالطلبة، والعمال، وبعض النساء...
فظهرت بفعل ذلك حركات وتنظيمات طلابية وعمالية ونسائية... وجمعيات ثقافية وطنية
وجهوية... مما اعتبره البعض مؤشرات دالة على بداية تبلور "مجتمع مدني"
حي، متحرك، له مطالبه، وحاجاته، ومشكلاته، وهمومه، واهتماماته، وخصوصياته المتميزة
والمتمايزة.



+ يجب التنويه كذلك بآثار تطور المسار الديمقراطي في
المغرب المعاصر، بما له وما عليه. إن المسألة الدستورية ضمن هذا المسار، بكل
حواملها، وما رافقها من تعديلات دستورية، ومن استحقاقات، ومن سلوك انتخابي، ومن
مشكلات وتعثرات وعوائق إدارية وسياسية واجتماعية متداخلة ومتعددة... كل ذلك قد جعل
"الجهوية" في صميم عمق هذه المشكلات. وهو واقع دفع بمراكز القرار على
المستوى المركزي إلى ضرورة إعادة النظر في السياسات التخطيطية المعتمدة لمراجعتها
وبنائها على أسس جديدة وعقلانية، على الأقل كما يؤكد على ذلك الخطاب الرسمي المروج،
تضع في الاعتبار مختلف الخصوصيات والمكونات الجهوية للمجتمع.



غير أن مفهوم "الجهوية"، باعتباره آلية
عقلانية ظهرت في المجتمعات العربية لتدبير الاختلاف الجهوي داخل الوحدة الوطنية
الشمولية، فإنه حين يتم نقله إلى المجتمعات الثالثية غالبا ما يفرغ من مضمونه الإيجابية.
إن هذه المجتمعات، ونظرا لما يخترقها من مظاهر التبعية والتخارج، وما تتسم به
بنياتها وهياكلها وتكويناتها الاجتماعية من تفكك، وغموض في المعايير والرؤى،
وتناقض في الأهداف والقيم والمصالح والتوجهات... الخ، فإن المفاهيم والنماذج
النظرية والتطبيقية التي تنقلها إلى سياقاتها بهدف الاستئناس أو الاسترشاد بها في
تدبير استثمار مواردها البشرية والطبيعية لا يتم الاستفادة منها بشكل إيجابي
وفعال، وغالبا ما تتحول في وضعية التخلف هذه إلى شعارات لا تستند على أساس واقعي
ملموس. فما هي عوامل وأسباب ذلك؟ ينتقل بنا الجواب على هذا السؤال إلى المحور
الرابع، أي إلى الحديث عن أهم العوائق والمشكلات التي تعترض سياسة الجهوية في شروط
المجتمع المغربي.



المحور الرابع: السياسات الجهوية بالمغرب: أبرز العوائق
والمشكلات



ليس من المقصود، ولا من المتيسر هنا أيضا، أن نقوم بجرد
شمولي لكل هذه العوائق والمشكلات، وإنما المراد هو التذكير بأبرزها وأكثرها تصدرا.
لذا يبدو مفيدا أن نركز على الملاحظات الهامة الآتية:



+ إن "الجهوية"، كسياسة تدبيرية للترشيد
والتنمية، وكنمط من التفكير والتخطيط الداعم للديمقراطية واللامركزية، لا بد –لكي
تكون منتجة وناجحة- أن تتوفر لها مجموعة من الشروط المسطرية والتنظيمية والبشرية
الضرورية، والمناخ السياسي والثقافي والاجتماعي المناسب. أي مجمل المقومات الكفيلة
بنقلها من الخطاب إلى الفعل، وتحويلها من مبادئ وقيم وأهداف وترتيبات إدارية
واقتصادية ومسطرية… إلى "ثقافة ممارسة"، أي إلى "سلوك ديمقراطي
وعملي متنفذ" قائم على استلهام الشروط، والمقومات الآنفة.



وبالرغم من كون المغرب قد بذل، منذ انخراطه المباشر
بالخصوص في سياسة "الجهوية"، جهودا كبيرة لدعم هذه السياسة، ولا سيما
على المستوى التشريعي والمسطري، منذ 1971 إلى 1976، إلى التقسيم الجهوي الجديد سنة
1996، فإن تلك الجهود لم تفض إلى كل النتائج الإيجابية التي كانت منتظرة منها. بل
إن بعض الدراسات الأولية –على ندرتها من حيث الشمولية والعمق العلمي- قد أفادت أن
تجربة الجهوية هذه قد كانت لها عواقب وتبعات سلبية على المسار التنموي العام. ولعل
من أهم أسباب ذلك كون هذه التجربة لم تكن في مجتمعنا مندرجة في إطار رؤية شمولية
متكاملة للتخطيط والبرمجة والتنظيم المجتمعي. وكما أسلفنا، فإن
"الجهوية" كآلية تدبيرية وعقلانية حديثة قد انخرطت في إطار المجتمعات
المتقدمة ضمن فلسفة تنموية واجتماعية واقتصادية وسياسة محددة، واضحة الأهداف
والمقاصد، وقائمة على قيم ومعايير منسجمة مع مطالب وخصوصيات السياق السوسيوثقافي
الذي تنتمي إليه. إن التساؤل حول مدى نجاعة السياسة الجهوية في المغرب ينبغي أن
يطرح، في تقديرنا، ضمن هذا التصور: في إطار أي مشروع مجتمعي تندرج "المسألة
الجهوية" بالمغرب؟ وما هي الأهداف العلنية والضمنية، والأطر المرجعية
المتحكمة فيها، والتي تشرط بالتالي مآلها ونتائجها؟ لذا فإن "المسألة
الجهوية" تطرح، عند مناقشتها، عدة قضايا للتفكير، والتساؤل، والحوار. ولكل
هذه الاعتبارات فإننا نعتقد أنه، بعد هذا التأطير الاجتماعي العام الذي تحاول هذه
المداخلة أن تقوم به، سيصبح بإمكان المقاربات الأخرى لهذه المسألة أن تتناول مختلف
القضايا الفرعية المؤسسة للتساؤلات الآنفة، سواء على المستوى الإقليمي/الجهوي، أو
على المستوى الوطني العام. وهكذا يمكن، على سبيل المثال، مناقشة التساؤلات/القضايا
التالية: ما هي أهم المعايير القانونية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية…
للتقسيم الجهوي الجديد؟ ما هي الإمكانات المادية والمعنوية المتوفرة مثلا لأي مركز
ليكون محورا جهويا فاعلا؟ بماذا يمكن أن يفيد على هذا المستوى جهويا ووطنيا؟ ما
العلاقة التي يفترض أن تقوم في مجتمعنا بين جهة وأخرى، وبينها وبين المركز؟ ما هي
أهم المشكلات والعوائق التي يمكن أن تنجم عن هذا التقسيم الجهوي الجديد؟ ما هي
ثغراته القانونية والتنظيمية… التي يمكن أن تؤثر سلبيا على سيرورة اشتغاله حال
تنفيذه؟ وما هي إيجابياته المنتظرة؟…الخ.



+ ينضاف إلى كل ما سبق عائق اجتماعي هام، ويتمثل في كون
الكثير من النخب الاجتماعية والسياسية السائدة في مجتمعاتنا الثالثية والعربية ما
تزال لم تتمكن بعد من إنضاج وعي اجتماعي وسياسي ووطني مسؤول ومكرس للمصالح الوطنية
العليا. وفي إطار هشاشة هذا الوعي الوطني –كي لا نقول غيابه- يمكن طرح التساؤل
المركزي التالي: هل تسير مجتمعات العالم الثالث، ومن ضمنها المغرب، نحو التنمية
والحداثة حين استلهامها للعديد من المفاهيم والنماذج العقلانية الغربية للتدبير
والتنظيم، مثل الديمقراطية، واللامركزية، واللاتمركز، والتخطيط الجهوي…الخ، أم
أنها تستورد هذه "العدة العقلانية" ثم تتعامل معها شعاريا لا مبدئيا،
فيأخذ تطبيقها العملي مظهرا أو طابعا عصريا حداثيا، بينما يظل مضمونها ذا طابع
قبلي تقليدي؟ إن العديد من الدراسات في حقل الأنثروبولوجيا السياسية تحديدا، مثل
دراسات بيرتراند بادي، وجورج بالانديي وغيرهما قد أكدت هذه المعطيات الاجتماعية
الهامة، وأبرزت أن جل مجتمعات العالم الثالث لم تنتج عبر مسيرتها السياسية
والاجتماعية والاقتصادية أية حداثة حقيقية، بل انتهت إلى مجتمعات تقليدية وقبلية
في العمق حديثة وعصرية في شكلها المظهري المستورد: "دولة وطنية"، بنيات،
وتنظيمات، ومؤسسات اجتماعية مختلفة تمت هيكلتها على النسق الغربي في سياقات غير
مواتية.


يتبع








يارب لك الحمد كما ينبغى لجلال وجهك وعظيم سلطانك
****لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين****

moulay
وسام القلم الذهبي
وسام القلم الذهبي

المدينة : ورزازات
العمر : 53
المهنة : أستاذ
ذكر
عدد المساهمات : 284
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 31/07/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: بلاغة الحوار وتفنيات تدبير الاختلاف

مُساهمة من طرف moulay في الأربعاء 18 نوفمبر - 18:50

وعلى ضوء هذا التحليل يمكن أن نفسر عدم استفادة بعض
الجهات والأقاليم وعزلتها في ظل التجارب الجهوية في المغرب، وذلك بفعل خضوع هذه
التجارب للعديد من المراهنات والصراعات وتنازع المصالح التي ما تزال في مجتمعنا لم
تقطع نهائيا مع العقلية القبلية الآنفة الذكر. إن التقسيم الجهوية الجديد يبرز
لنا، وخاصة عند تحديد مكونات وحدوده، ومراكز بعض الجهات، كيف أن العديد من المدن
والقرى، والمناطق لم تستفد مما كان يفترض أن تستفيد منه في مجال الخدمات الصحية
والتربوية والاقتصادية وغيرها، وذلك نظرا لافتقادها لكثير من شروط وإمكانات
ومؤهلات... غير أننا، وانطلاقا من منظور سياسي ونضالي متفائل وحذر، ومن رؤية
ثقافية مجافية للعدمية والانعزال الفكري والاجتماعي، نعتقد أن التقسيم الجهوية
الجديد، رغم سلبياته وثغراته المسطرية والتنظيمية المتعلقة خاصة بالمراقبة وأساليب
اتخاذ القرار على مستوى الجهة، يمكن أن يكون منطلقا إيجابيا للإصلاح والتجديد متى
توفرت له الشروط المواتية المؤسسة على وعي اجتماعي جديد، يطمح إلى تدعيم ممارسة
اجتماعية وسياسية جديدة بالفعل، ومكرسة للمصلحة الوطنية العليا، لا للمصالح
الفئوية أو القبلية الضيقة، مما ينتظر منه أن يحدث تحويلا نوعيا في المجتمع، فكرا
وممارسة.


+ هناك أيضا واقعة اجتماعية هامة لا بد من إبرازها هنا،
ويتعلق الأمر بكون التجربة الجماعية في المغرب، رغم عراقتها على مستوى جذورها التاريخية
العميقة، ورغم ما بذل من جهود في سبيل تحديثها وإعادة هيكلتها وعصرنتها، ورغم ما
أنتجته من خبرات وفعاليات تعمل الآن على تأثيث مختلف مجالات "البيت الجماعي
المحلي"... رغم هذا كله، فإننا مازلنا لا نتوفر، في الواقع، على قيادات أو
زعامات محلية متمتعة بالقدر الكافي من التأهيل في ميادين الإدارة والتسيير وتدبير
عمليات استثمار الموارد البشرية والمادية. وقد نكون مبالغين في الحكم على تجربة
الجماعات المحلية بالمغرب، وقد يكون ذلك ناتجا عن كون طموحنا أكبر من الواقع...
غير أن ما نطمح إليه بالفعل هو أن تصبح تجربة الجماعات المحلية –التي تقع في صلب
المسألة الجهوية- مدرسة وطنية للتأهيل والتربية والتكوين: تكوين المواطن الفاعل
والمنتج، الذي يعد الدعامة الأساسية لكل تجربة ناجحة من هذا القبيل، وكذا تكوين
الأطر، ومراكمة الخبرات والتجارب والإنجازات... والهدف من ذلك كله هو تحويل
"العمل الجماعي" إلى مؤسسة –بالمفهوم السوسيولوجي العام- محكومة بأنماط
من القيم والأعراف والتقاليد المهنية ومؤطرة بتوجهات فكرية وعملية محددة تضمن لهذه
المؤسسة استمراريتها ونجاعتها الاجتماعية والتاريخية. وذلك حتى تستطيع أن تندمج في
مسيرة تنموية منتجة، ليس على المستوى الجهوية فحسب، بل كذلك على المستوى الوطني
العام.


+ وفي إطار الحديث عن بعض أهم عوائق بناء
"الجهوية" في المغرب، لا بد من التنبيه إلى مخاطر "هامشية البحث
العلمي" في مجمل السياسات الجهوية الجديدة. ذلك أننا لا ندعم هذا البحث بما
يكفي من الاعتمادات المالية والمؤسسات والتجهيزات ومختلف الإمكانات والشروط
الضرورية التي تجعل منه سندا أساسيا موجها للممارسة السياسية والتقنية
والاجتماعية، ودعامة محورية للتنمية على غرار المجتمعات المتقدمة. وإذا اقتصرنا
فقط على ربط البحث بتجربة الجماعات المحلية على سبيل المثال، فإننا لا نجد أي
اهتمام بالبحوث التشخيصية التي تسبق عادة تجربة أو مشروعا ما، لترصد المقومات
وتحدد المشكلات والحاجات... أو بالبحوث التدخلية أو التطويرية التي تتدخل لإغناء
التجربة وتطويرها ومدها بالعناصر الجديدة... ولا أي اهتمام أيضا بأبحاث المتابعة
والتقويم التي تواكب هذه التجربة لترشيدها ولإنجاز التقويم الجزئي المرحلي أو
الإجمالي الكلي لمردودها وحصيلتها. إن غياب المعطيات الكمية والنوعية الدقيقة،
التي يمكن أن يوفرها هذا البحث العلمي، واقع يطرح العديد من المشكلات التقنية
والتدبيرية أمام تجربة الجماعات المحلية وممارستها لمهامها ومسؤولياتها، كما يجعل
من الصعب إنجاز تقويم علمي وموضوعي لإنجاز هذه التجربة ذاتها، وما يتطلبه هذا
التقويم من أساليب علمية، كالتدقيق: Audit،
والمحاسبة الوطنية، والمراقبة الممنهجية والمستمرة. وذلك للكشف عن سلبيات هذه
التجربة بهدف تفاديها مستقبلا، وأيضا لإبراز إيجابياتها من أجل تثمينها والدفع بها
وتطويرها.


لذا فإن القطع مع هذه الوضعية، والانتقال إلى وضع جديد
يعتمد على سياسة معقلنة للبحث العلمي يصبح ضرورة علمية ومجتمعية حاسمة للتدعيم
وتأطير وترشيد ممارسة الجماعات المحلية. غير أن ذلك لا يمكن أن يتم إلا في إطار
أعم وأشمل، أي على مستوى سياسة وطنية شمولية للبحث العلمي. وتلك قضية أخرى لا يتسع
المجال لمناقشتها ضمن حدود هذه المداخلة.


المحور الخامس: أزمة التجربة الجهوية بالمغرب: عن أهم
شروط وبدائل التجاوز والتأسيس.


لنكتف بما سبق عرضه من عوائق ومشكلات التجربة الجهوية
والعمل الجماعي/الجماعاتي بالمغرب، ولننتقل إلى المحور الخامس المتعلق ببعض الشروط
أو البدائل التي نرى ضرورة توفرها لتجاوز ما أصبح ينعت بـ: "الأزمة"
الراهنة لهذه التجربة، ولإنضاج تصور عقلاني للجهة وللجهوية كآلية حديثة لتدبير
الاختلاف والتعدد داخل الوحدة الوطنية الشمولية المتكاملة المكونات. ونفضل
–لاعتبارات محض منهجية تتعلق بمحدودية هذا العرض- أن نجمل ذلك في النقط
الاستخلاصية الآتية:


+ ضرورة توفير الشروط المناسبة لإقامة تكوين المجالس
الجماعية على أسس ديمقراطية سليمة تجعلها منتخبة بشكل عقلاني وديمقراطي يمنحها
تمثيلية للمجتمع ذات مصداقية مقبولة سياسيا واجتماعيا. الأمر الذي يجعلها ممثلة
لحاجات وتطلعات ومصالح المواطن المغربي، سواء على مستوى الجهة أو على المستوى
الوطني العام. إن ما يفترض هو أن تكون الجماعات المحلية المنتخبة في ظل شروط
ديمقراطية نزيهة معبرة عن صوت المجتمع المدني، عن مشاكله وهمومه واهتماماته، وأن
تكون بالتالي بمثابة "مدرسة اجتماعية وسياسية" لتكوين المواطن، ولتأسيس
وترويج "ثقافة سياسية" جديدة قائمة على قيم العقلانية والديمقراطية
والتحاور والانفتاح، ومتعارضة مع قيم ومسلكيات الانغلاق والشوفينية أو القبلية
الضيقة.


+ يقتضي بناء الجهة كذلك توفير مجمل المقومات الأساسية
المدعمة لهذا البناء. والتي تضمن للجهة المعنية إمكانية أن تفيد وأن تستفيد في
إطار سياسة "الاعتماد المتبادل"، التي يجب أن تكون الموجه الأساسي
للسياسات التنموية جهويا ووطنيا. وبكل ما تتطلبه هذه الجهة من "شراكة: Partenariat" تكاملية بين مختلف الجهات والمؤسسات
والقطاعات، والفرقاء المعنيين... سواء كان ذلك على مستوى الجهة، أو على المستوى
الوطني العام. وهنا يمكن الإشارة إلى أهمية تنشيط البحث العلمي بجميع أنماطه
ومجالاته وتخصصاته بهدف إنتاج معرفة علمية مطابقة: Adéquate عن الجهة، عن مقوماتها ومشكلاتها وحاجاتها وإمكاناتهاو ما تتطلبه
تنميتها الذاتية الخاصة وما يمكن أن تساهم به في المسار التنموي الشمولي وفي
مجالات اجتماعية متعددة كالتكوين والتشغيل والاستثمار والخوصصة...


+ أهمية التنويه بضرورة التعامل مع "الجهوية"
كاختيار مبدئي استراتيجي، وليس كمجرد شعار سياسي. ذلك أنه من بين أخطر الآفات التي
ابتلينا بها في مجتمعاتنا الثالثية أننا كثيرا ما نتعامل مع المفاهيم والنظريات
والمناهج والسياسات الغربية التي "نستوردها" تعاملا شعاريات تاتيكيا لا
مبدئيا. وهكذا نفرغها من مضامينها الإيجابية العلمية والعقلانية لنزج بها في دوامة
الرهانات الإيديولوجية والظرفية الضيقة المحكومة بالهواجس الأمنية والسياسوية
والحسابات المصلحية لا بالأفق الفكري والسياسي الواسع، ولا بالإرادات السياسية
الواضحة والمتحفزة. بالرغم من أن هذه المسألة لا يمكن تعميمها على كل
"التجارب الجماعية والجهوية" في المجتمع المغربي. إذ يلاحظ أنها تختلف
في مستوى ونوعية إنجازها وأدائها الوظيفي. إلا أن التقويم العلمي لهذا الإنجاز ما
يزال يتطلب في الوضع الراهن مجموعة من الدراسات المتكاملة جهويا ووطنيا.


+ نود أن نشير أيضا إلى أن "الجهوية"،
باعتبارها –في بعدها الفكري- فلسفة تدبيرية وتأطيرية عقلانية، تتطلب الاعتماد على
العنصر البشري كدعامة أساسية للتنمية. وذلك عبر التكوين المتعددة الأنماط
والمستويات والموجه لخدمة هذا العنصر البشري/المواطن، الذي ينتظر أن تلعب سياسة الجهوية
دورا أساسيا وحاسما في رفده وتدعيمه. فمهما كانت الجهة متوفرة على إمكانات كبيرة
حاضرة أو محتملة فإن هذه الإمكانات تصبح عديمة الجدوى، إذ ما أهملت رأسمالها
البشري ولم تجعل منه سندا لتنميتها الذاتية. إن هذا هو، في تصورنا، ذلك الدور
التربوي والتنموي الخطير الذي يجب أن تقوم به الجماعات المحلية والهيئات المنتخبة
في الجهة المعنية. وفي هذا الإطار يمكن التنويه بأهمية ودور "مشروع المدرسة
الجماعية: Projet d’Ecole Communale" كمحور محرك للتنمية
الثقافية والاجتماعية سواء في الوسط الحضري، أو الوسط القروي المهمش؛ وأيضا بأهمية
انفتاح المؤسسة التربوية أو التكوينية أو الإنتاجية على مكونات وخصوصيات محيطها
الاقتصادي والاجتماعي العام.


وكخلاصة محورية لهذا العرض، نود أن نختتمه بالتنويه ببعض
النتائج والخلاصات التي أنهت إليها الندوة التي عقدها المعهد الدولي للعلوم
الإدارية في بكين، بتاريخ (8-11 أكتوبر 1996) حول موضوع: "التحديات المطروحة
أمام إدارة القرن الواحد والعشرين" ومن أهم هذه الخلاصات ما يلي:


ـ إن مسألة الإدارة وتدبير الموارد المادية والبشرية هي
مسألة سوسيوثقافية ترتبط بمناخ اجتماعي وسياسي محدد في الزمان والمكان، إذ لكل
مجتمع إدراكه أو تصوره الخاص لقضاياه ومشكلاته وخصائصه... وأيضا لمختلف الكيفيات
التدبيرية التي يراها ملائمة لشروطه الثقافية والسياسية والمجتمعية المتميزة بكل
أشكالها الإثنية وتبايناتها الجهوية أو الطبقية...الخ. إلا أنه، بالرغم من هذا
الطابع السوسيوثقافي للإدارة، فإن الندوة الآنفة الذكر قد أكدت على المعايير
التدبيرية الآتية، والتي أصبحت، بفعل عولمة الاقتصاد والثقافة وأساليب الإدارة
والإنتاج، بمثابة معايير ذات طابع كوني شمولي مستقطب للكثير من الإجماع والتوافق،
وهذه المعايير/المبادئ أهمها:


ـ اللامركزية: وذلك في مختلف مجالات التدبير وصنع القرار
وهي مسألة تقع في صلب المسألة الديمقراطية بشكل عام. ولا شك أن
"الجهوية"؛ بمفهومها الحداثي العقلاني، دعم لهذه اللامركزية وتفعيل لها
في نفس الآن.


ـ المشاركة: إن المد الديمقراطي والعقلاني الذي تشهده
المجتمعات الحديثة –بما له وما عليه- قد أصبح يؤكد أكثر فأكثر على ضرورة إشراك كل
الأطراف والفعاليات المعنية في تسيير الشأن العام. وذلك في إطار توجهات كبرى
لمشروع مجتمعي متكامل قائم على الوفاق والتشارك والتعامل الديمقراطي، والاعتماد
المتبادل بين الأفراد والمؤسسات والجماعات والجهات المتعددة في المجتمع.


ـ الفعاليات في الأداء والإنجاز: وذلك بالاعتماد على
كافة الوسائل التواصلية والتقنيات الحديثة وأساليب البرمجة والتخطيط: (كالإعلاميات
المتقدمة والتكنولوجيات المتطورة... الخ). مما يسهل عمليات التسريع بوتيرة التنمية
ومواكبة التطورات المتسارعة. غير أن ذلك لا يمكنه أن يتوفر لمجتمعاتنا الثالثية
إلا إذا اعتمدت سياسة رشيدة للبحث العلمي ولتكوين وتأهيل العنصر البشري، وإلا إذا
بلورت سياسة تدبيرية ذاتية منسجمة مع حاجاتها ومستقلة عن أي تبعية لمراكز القرار
في الغرب.


ضمن هذه الشروط مجتمعة، وفي إطار التحاور الجدي والصادق
حول مسألة الجهة والجهوية، يمكن أن نتساءل: ما هي أهم المسؤوليات والواجبات
المفروضة عليها: أفرادا، وجماعات محلية، ومؤسسات... لبناء "جهوية"
فاعلة، ديمقراطية ومنتجة؟ ما هي شروط التأهيل التي تمكننا من أن نجعل من سياستنا
الجهوية منخرطة بجدارة واستحقاق في إطار الفلسفة التدبيرية الكونية الآنفة الذكر؟
كيف يمكن تجاوز ما يعترض هذه السياسة من عوائق ومشكلات…؟ وما هي أنسب البدائل
العملية والممكنة في شروطنا لإنجاح هذه السياسة..؟


لقد حاولنا بشكل مختصر، وسواء بكيفية علنية أو ضمنية، أن
نجيب، في هذه المساهمة، على هذه التساؤلات المحورية. علما بأن "المسألة
الجهوية" في المغرب ما تزال تطرح باستمرار العديد من الأسئلة العميقة،
وتستدعي، باستمرار أيضا، تدخل الكثير من أنماط التحليل وزوايا النظر والمقاربة،
الأمر الذي يدفعنا إلى التأكيد على أهمية التحذير من الوقوع في منزلق اختزالها في
مجرد إجابات أو حلول جاهزة ودوغمائية، بينما هي مسألة متشابكة ومتعددة الأبعاد
والدلالات والمكونات.


وعلى أي، وبالرغم مما قدمناه آنفا من ملاحظات نقدية
صارمة أحيانا حول أوضاع مجتمعنا المغربي، كنموذج لبلداننا العربية والثالثية، بكل
ما تعيشه من تخلف مضاعف، وتبعية تتعمق شروطها باستمرار مع تنامي المد الكاسح
للعولمة، وما يستتبعه كل ذلك من انعكاسات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية
وتربوية، سلبية في مجملها، سواء على الصعيد الداخلي أو على مستوى المكانة
الدولية... على الرغم من كل ذلك، فإننا نعتقد –بلا هوس شوفيني متطرف، وانطلاقا مما
تؤكده نتائج وخلاصات الكثير من البحوث العلمية- أن مجتمعاتنا العربية، والمغرب
أحدها، ونظرا لما تتسم به من أصالة وعراقة تاريخيتين، ومن قيم جماعية دينية
وثقافية متجذرة وإيجابية، ولما تتوفر عليه أيضا من إمكانات مادية وبشرية هامة، ومن
فعاليات وإرادات اجتماعية وسياسية جادة. صادقة ومسؤولة، رغم هامشيتها في ظروف غياب
المناخ الديمقراطية السليم... إن مجتمعاتنا ما تزال بفضل كل هذه المقومات، قادرة
–متى توفرت لها، أو وفرت هي لنفسها الشروط الملائمة- على مجابهة ما يطرح عليها من
تحديات. لا لتجعل من تجاربها الديمقراطية المحلية، مثل التجربة المغربية المبحوثة
هنا، دعامة للتنمية البشرية الشاملة فقط، وإنما لنتخذ منها منطلقا للانخراط بجدارة
واستحقاق في إطار الرهانات الكونية الكبرى لعالم الحداثة وما بعد الحداثة، ولقيم
وثقافة عولمة النظام الكوني الجديد، انخراطا فاعلا منتجا مثريا للذات وللآخر، لا
انخراطا انجذابيا منفعلا مأخوذا بزخم التيارات والتأثيرات القوية الجارفة.


ولهذه الاعتبارات كلها، يصبح فتح باب النقاش الفكري
والسياسي والعلمي الجاد، بكل ما يتطلبه ذلك من شروط ومناخات ملائمة، خطوة إيجابية
مقدامة على سبيل وضع الأسس البانية لـ:"تنمية ثقافية" من شأنها أن تعمل
على استنهاض وتفعيل للطاقات المبدعة جهويا ووطنية (قطريا) وقوميا، وعلى تنشيط
آليات البحث والتحاور والتبادل الفكري… هذه التنمية التي أصبحت في المجتمعات
العصرية/المعاصرة، ولاعتبارت سياسية واجتماعية وتربوية متعددة، أُسَّ التنمية
البشرية المستديمة وكفالتها. إلا أنه بالرغم من هذه الأهمية الشارطة للعنصر البشري
كأثمن رأسمال منتج في كل استثمار اجتماعي تنموي، فإن المسؤولية الفكرية
والاجتماعية لنقد ذاتي مسؤول وبناء تقتضي الاعتراف بواقع كون مشاريع وخطط وتوجهات
التنمية في مجتمعاتنا، قطريا وقوميا، قد كان من بين أخطائها القاتلة تهميشها أو
تغييبها لدور ومكانة وقيمة الرأسمال البشري في عمليات التنمية الشاملة، فظلت بذلك،
في مجملها، مشاريع متخبطة، معاقة، معطلة، وغارقة في بؤس الدوران المتكرر في
الحلقات المفرغة.
منقول للفائدة








يارب لك الحمد كما ينبغى لجلال وجهك وعظيم سلطانك
****لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين****

moulay
وسام القلم الذهبي
وسام القلم الذهبي

المدينة : ورزازات
العمر : 53
المهنة : أستاذ
ذكر
عدد المساهمات : 284
نقاط : 382
تاريخ التسجيل : 31/07/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى