الكرة.. والحنين إلي الجاهلية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الكرة.. والحنين إلي الجاهلية

مُساهمة من طرف castro في الجمعة 20 نوفمبر - 17:29

كانت
العصبية المقيتة والانحياز للقبيلة من أشد ما واجهته دعوة الإسلام في
بداياتها، إذ كانت البيئة العربية مليئة بأمثال تلك العصبيات القوية التي
كانت تقف سداً منيعاً أمام العديد من دعوات الإصلاح التي كان يقودها بعض
عقلاء العرب لرأب الصراع المحتدم بين القبائل العربية التي كانت تشهد
معارك طاحنة لأسباب واهية.


ومن
أشهر تلك المعارك حرب البسوس التي ثارت بين قبيلتي بكر وتغلب لمدة أربعين
سنة من 494 ميلادية حتى 534 ميلادية بسبب ناقة امرأة اسمها البسوس بنت
منقذ، وراح ضحيتها الآلاف من القبيلتين، وتركت أثراً كبيراً على الأدب
العربي خاصة في مجال الرثاء والحماسة، وشكلت ثقافة الثأر لدى القبائل
العربية لفترة طويلة، وأخذت شكل الملاحم الأسطورية. ولعب الشعر دوراً
كبيراً في احتدام أمر تلك الحرب الطاحنة، فنظمت القصائد الملتهبة التي
ألهبت مشاعر العروبة والقبلية.


ومن
تلك الحروب أيضًا حرب داحس والغبراء بين قبيلتي عبس وذبيان بسبب سباق بين
فرسيْن وهما داحس والغبراء، وكان التنافس على حراسة القوافل هو السبب
الرئيسي لتلك الحرب التي استمرت لقرابة الأربعين سنة، واشتركت فيها العديد
من القبائل العربية الأخرى مثل طيء وهوازن بسبب الثارات القديمة، وهي
الحرب التي برزت فيها بطولة عنترة بن شداد العبسي وقصائده الشهيرة التي
سارت بها الركبان.


جاءت
دعوة الإسلام لتقضي على هذه العصبية الجاهلية وتعيد صياغة المجتمعات على
أسس ثابتة تضمن وحدة الأمة التي كانت تعاني من التمزق والتشرذم تحت ضربات
العصبية والقبلية، واستبدلت كل هذه الأطر البالية بإطار الوحدة الإسلامية
وراية "لا إله إلا الله" التي لا تعرف قبيلة ولا عشيرة، بل إطار أرحب
وأوسع يستوعب اختلاف الأوطان والعشائر والألسن والألوان .


ضربات العصبية

لم
تكن عملية استيعاب الإسلام للعقلية القبلية وتطويعها للمفاهيم الإسلامية
بالشيء السهل أو اليسير فلقد كانت للعصبية دولة وحراس وسدنة وإعلام وأتباع
وأنصار في كل بيت عربي، وظلت العصبية ساكنة تحت الرماد كالجمر المشتعل،
تنتفض كلما جاءتها الفرصة الملائمة، وكلما انتفضت العصبية الجاهلية كلما
وقعت النكبات والنوازل بالأمة.


تسببت
القبلية والعصبية في إسقاط الدولة الأموية العظيمة، عندما ثارت العصبية
بين بطون العرب في خراسان، وتسببت العصبية القبلية في ضياع شمال الأندلس
بسبب الصراع بين العرب والبربر، وظلت العصبية تنخر في الأندلس عدة قرون
حتى أسقطتها في النهاية،

وأضاعت العصبية العديد من الممالك الإسلامية الكبرى في إفريقيا مثل مملكة
الفودي ومملكة الصنغاي ومملكة ساموري توري، وأخيرا العصبية القبلية أدت
بالشريف حسين لأن يعلن ثورته العربية الكبرى ضد الدولة العثمانية والتي
أدت لسقوط الدولة العثمانية ووقوع معظم الدول العربية تحت نير الاحتلال
الأوروبي الذي أحسن استغلال العصبية القبلية ودعاوى الجاهلية في تكريس
احتلاله للعالم الإسلامي .


الشعوب عندما تحن للجاهلية

واليوم
وبعد أن عانت الأمة لقرون من نير العصبية الجاهلية ودفعت ثمن ذلك من
دمائها وأرضها وثرواتها وكرامتها واستقلاليتها- اليوم تعود العصبية
القبلية بصورة تدعو للرثاء حقاً. فبعد أن كانت العصبية للوطن أو للقبيلة
أو للعشيرة أو للنسب والمصاهرة أو للعرق واللسان، أو حتى للمصالح
الدنيوية، أصبحت العصبية الآن على كرة القدم التي أصبح لها دولة وسلطان
وأشياع وأحلاف، عليها توالي وتعادي الشعوب،

فمباراة الكرة بين الجزائر ومصر كشفت حجم المأساة التي تعيشها الشعوب
العربية الفارغة التي لم تجد من قضاياها الكبيرة على كثرتها ما يشغل بالها
ويوحد صفها؛ فابتكرت نوعاً جديداً من العصبية والولاء والبراء، وأخذت تلهث
وراءه بكل ما أوتيت من قوة، تبذل الغالي والنفس والنفيس خلف هذه الملهاة
الجديدة، في حرب طواحين فارغة يتنابز فيه الطرفان بكل قبيح وسيء،و لا
تبالي فيها الشعوب بما أضاعت، ولا بكم أنفقت من أجل تحقيق غايتها وإشباع
حنينها إلى أيام الجاهلية الأولي.


توظيف العصبية

العصبية
القديمة كان لها حراس وسدنة وأنصار من منطلق قبلي محض قد تشوبه أحياناً
بعض المصالح الدنيوية، ولكنَّ العصبيةَ الجديدة التي تعصف بالشعوب الغافلة
سياسيةٌ بحتة، تحسن فيها الحكومات والقيادات الرسمية في توظيفها بما يحقق
مكاسب سياسية أو يغطي على إخفاقات ومشاكل داخلية كثيرة، وبنفس الدور الذي
كان يقوم به الشعراء في الجاهلية من تأجيج نار العصبية وشحن النفوس وتوجيه
الطاقات نحو نصرة القبيلة والعشيرة، الآن وسائل الإعلام تستلهم النموذج
الجاهلي القديم، فترتدي ثوب عنترة بن شداد وعروة بن الورد والمهلهل بن
ربيعة، وتقوم بشحن الجماهير الحمقاء وتحريضهم وتثويرهم نحو بذل أقصى ما
يمكن أن يفعله من أجل نصرة فريقهم وعصبتهم، وتتبارى وسائل الإعلام في ذلك
المضمار حتى أصبحت حرباً دعائية مفتوحة يباح فيها كل شيء من أجل النصرة
والحشد وتشكيل الوعي العام للجماهير وإعادة صياغته على الطراز الجاهلي
القديم .


السياسي
أحسن استغلال وتوظيف العصبية الجديدة في صرف أنظار الشعوب عما يهمهما
وينفعها، فكلٌّ من مصر والجزائر تعاني مشاكل داخلية كثيرة ومن العيار
الثقيل من فساد وبطالة وتردي مستوى المعيشة وارتفاع الأسعار وضعف الأداء
الاقتصادى وكثرة الدين الخارجي، ناهيك عن الحديث الذي تصاعدت وتيرته
وأوشكت فصوله على الانتهاء في قضية التوريث في كلا البلدين والتي أصبحت
على مرمى حجر من الوقوع.


هذا
غير الملفات الخارجية وهي لا تقل كثافة ولا جسامة من نظيرتها الداخلية.
فمصر تعاني من حرب مائية مقبلة توشك أن تجعل البلاد العامرة بمصادر المياه
على وشك أزمة حقيقة؛ وذلك بسبب التخطيط الصهيوني الخبيث وعبثه بمنابع
النيل. والجزائر تعاني من حملات تنصيرية
شرسة تستهدف جعل الجزائر بلد المليون متنصر، بعد أن كانت بلد المليون
شهيد. والصهاينة أصابعهم تعبث بكلا البلدين؛ ففي مصر هناك ملفات شديدة
الاشتعال مثل ملف الأقباط وملف النوبة وملف البدو، وهي ملفات مرشحة
للانفجار في أي لحظة. وفي الجزائر ملف الأمازيج أو البربر وهم يمثلون
قرابة نصف الشعب الجزائري، وخلافاتهم العلنية مع الحكومات الجزائرية،
ومجاهرتهم بعداوة العرب وتغلغل الإرساليات التنصيرية في مدنهم وبين
قبائلهم، يحعل هذا الملف من أعقد الملفات التي تواجه الجزائر.


هذه
المشاكل الداخلية والخارجية الكثيرة التي تعاني منها الحكومات العربية
الحالية تنساها الجماهير الفارغة فتلهث وراء الكرة، فيضحك الساسة وتبكي
الجماهير، ولكن كما قال الشاعر الأموي نصر بن سيار وكان معاصرًا لأحداث
الفتنة العصبية التي اندلعت في خراسان وأدت لسقوط الدولة الأموية:


أرى خلال الرماد وميض نار
فإن النــار بالعودين تزكى
فقلت من التعجب ليت شعري





وأخشى أن يكون لها ضرام
وإن الحرب مبدؤها كــلام
أأيقاظ أميــة أم نيـــام




ولكن على ما يبدو أن الشعوب هي النائمة وهي التي ستدفع الثمن

شريف عبد العزيز
avatar
castro
بداية النشاط
بداية النشاط

المدينة : Cuba
العمر : 38
المهنة : without
ذكر
عدد المساهمات : 27
نقاط : 35
تاريخ التسجيل : 20/11/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الكرة.. والحنين إلي الجاهلية

مُساهمة من طرف المبدع في السبت 21 نوفمبر - 8:15

شكرا صديقي على هده المعلومات المفيدة شكرا مرة أخرى

المبدع
الوسام الفضي
الوسام الفضي

المدينة : قلعة مكونة
العمر : 22
المهنة : طالب
ذكر
عدد المساهمات : 160
نقاط : 302
تاريخ التسجيل : 02/08/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الكرة.. والحنين إلي الجاهلية

مُساهمة من طرف le prince في السبت 21 نوفمبر - 13:23

السلام عليكم
أفيون الشعوب ........كثيرا منا يعلم بتلك المقولة الذي قالها كارل ماركس
"الدين أفيون الشعوب" التي كان يعبر بها عن رأيه خلال الحقبة الزمنية التى
عاش بها(1818-1883) الذي تكون من خلال الأبعاد التي تحيط به وقتها...
وجدت انها الان تتناقل بين كثيرا منا ويحاول البعض الصاقها بالدين الاسلامى.....أو ربما ببعض فرقها مثل "الصوفية أفيون الشعوب"
لكن الاسلام الصحيح حياة و يقضة و اجتهاد و تعايش
بسم الله الرحمن الرحيم ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون )
صدق الله العظيم...
اصدقائى الكرام ربما نجح أتباع 'ماركس' باقناع أعداد كبيرة من شعوب العالم
بهذه المقولة و التي نهضت بالشعوب الأوروبية و الغربية المنحرفة على
العقيدة الصحيحة و المضطهدة من قبل الكنيسة و رجال الدين ، الا أنهم فتحوا
المجال للماكينة الإعلامية الرأسمالية العملاقة..لنسمع مسطلح جديد
"الاعلام أفيون الشعوب" لما فيه من تأثير مباشر على الشعوب خاصة اذا كانت
هذه المؤسسات تحت سيطرة لوبي واحد يلعب بشعورنا متى أراد ....
لنصل الى المسطلح الأكثر رواجا اليوم " الكورة أفيون الشعوب"
نعم الكورة أخطر نوع من أنواع الأفيون ،هذه اللعبة التي تحول شعبين شقيقين
الى عدوين لدودين و تُقسم البلد الواحد و المدينة الواحدة و ربما العائلة
الواحدة و تثير الغرائز القومية و الجهوية و القبلية و لا أحد يدعوا الى
وقف هذه المهزلة و لا أحد يجرأ على حضرها رغم ثبوت سلبياتها ، أموال تصرف
بآلاف الملايين و شعوب تفتقد الى أبسط أسس الحياة الكريمة ، شعوب يمنون
أنفسهم بالنصر العظيم و هم فاشلون على الدوام يفرح حين ينتصر و يسخط حين
ينهزم
فما هو الأفيون حسب رأيكم و هل يمكن مقاومة هذه الآفة المدعومة من قمم القرارات








أتعلم منك وتتعلم مني وسوف لن نختلف
نلتقي لنرتقي
avatar
le prince
إداري متميز
إداري متميز

المدينة : ****
العمر : 31
المهنة : طالب باحث
ذكر
عدد المساهمات : 567
نقاط : 765
تاريخ التسجيل : 01/08/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الكرة.. والحنين إلي الجاهلية

مُساهمة من طرف النورس في الإثنين 23 نوفمبر - 10:32

الكرامة كرامة الدين و ليس كرامة الرًجلين

سلمت يداك أخي كاسترو

أنجزت فأوجزت حال الأمة العربية

لقد ضاعت و غابت العقول

وتاهت الحكمة و غيبت بأقدام اللاعبين و المشجعين

و آآآآآآه من نار الفتنة التى تعصف بكل الوطن العربى

فكفانا نوما و غيبوبة

اللهم ألطف بنا و أطفىء نار الفتنة









النورس
نائب المدير
نائب المدير

المدينة : الرباط
العمر : 40
المهنة : إطار
ذكر
عدد المساهمات : 846
نقاط : 1435
تاريخ التسجيل : 20/08/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى